العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤ - الأوقات التي يصلح فيها الطعام
باب الحركة و النوم مع الطعام
و من أكل الطعام بعد حركة كافية و أخذه على حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية قد اشتعلت. و من تناول طعاما من غير حركة و أخذه مع غير حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية خامدة بمنزلة النار الكامنة في الزناد.
و من أتبع الطعام بنوم، بطنت الحرارة الغريزية فيه فاجتمعت في باطن البدن فهضمت طعامه. و من أتبع الطعام بحركة، انحدر عن معدته غير منهضم و انبث في العروق غير مستحكم، فأحدث سددا و عللا في الكبد و الكلى و سائر الأعضاء.
و ربما كانت الأطعمة لضعف المعدة تطفو فيها و تصير في أعلاها، فلا تأمره بالنوم حتى ينحدر الطعام عن المعدة بعض الانحدار و يصير في قعر المعدة. و ربما أمرنا بحركة يسيرة كما ذكرنا آنفا، لانحدار الطعام عن المعدة بعض الانحدار.
و إن أكثر الشراب منع الطعام من الانهضام، لأنه يحول فيما بين جرم [١] المعدة و بين الطعام، و إذا لم تلق المعدة الطعام لم تحله إلى مشاكلة البدن و موافقته، فيبقى فيها غير منهضم. فيجب لذلك على من أخذ الطعام أن يتناول معه من الشراب ما يسكن به حرّ العطش و يصبر على قدر احتماله من العطش، و يصبر حتى ينهضم، ثم يتناول بعد ذلك من الشراب ما أحب، فإنه بعد ذلك يعين على انحدار الطعام و ترقيقه لتنفيذه في المجاري الدّقاق.
و يجب أيضا أن يكون أخذه للطعام في وقت حركة الشهوة؛ و ذلك أنه إذا تحركت الشهوة و لم يبادر بأخذ الطعام، اجتذبت المعدة من فضول البدن ما إذا صار في المعدة أبطل الشهوة، و أفسد الطعام إذا خالطه.
الأوقات التي يصلح فيها الطعام
أجود الأوقات كلها للطعام الأوقات الباردة. لجمعها الحرارة في باطن البدن فأما الأوقات الحارة فينبغي أن يجتنب أخذ الطعام فيها، لأن حرارة الهواء تجذب الحرارة
[١] الجرم: بكسر الجيم، الجسد، و بضمه، الذنب.