العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١ - ما يصلح لكل طبيعة من الأغذية
الحاجة منها إليها، و مقدار ما يتناول منها، و النوع الذي يحتاج إليه؛ و لأنه لا يخلف الشيء الذي يتحلل و لا يقوم مقامه إلا مثله، و ليس تستطيع القوة التي تحيل الطعام و الشراب في بدن الإنسان أن تحيل إلا ما شاكل البدن و قاربه؛ فإذا كان هذا هكذا فلا بد لمن أراد حفظ الصحة أن يقصد لوجهين: أحدهما أن يدخل على البدن الأغذية الموافقة لما يتحلل منه، و الأخرى أن ينفي عنه ما يتولد فيه من فضول الأغذية.
ما يصلح لكل طبيعة من الأغذية
و ينبغي لك أن تعرف اختلاف طبائع الأبدان و حالاتها، لتعرف بذلك موافقة كلّ نوع من الأطعمة لكل صنف من الناس؛ و ذلك أن الأغذية مختلفة؛ منها معتدلة، كالتي يتولد منها الدم الخالص النقيّ؛ و منها غير معتدلة، كالتي يتولد منها البلغم و المرّة الصفراء و السوداء و الرياح الغليظة؛ و منها لطيفة و منها غليظة؛ و منها ما يتولد عنه كيموس [١] لزج و كيموس غير لزج؛ و منها ما له خاصة منفعة أو مضرة في بعض الأعضاء دون بعض.
و كذلك الأبدان أيضا، منها معتدل مستول عليه في طبيعته الدم الخالص النقي، و منها غير معتدل يغلب عليه البلغم أو إحدى المرّتين، و منها متخلخل سريع التحلل، و منها مستحصف [٢] عسر التحلل، و منها ما يكون في بعض أعضائها دون بعض؛ فقد يجب متى كان المستولي على البدن الدم النقي أن تكون أغذيته قصدا في قدرها، معتدلة في طبائعها؛ و متى كان الغالب عليه البلغم، فيجب أن تكون مسخنة، أو يغتذي بما يزيد في الحرارة و يقمع في الرطوبة؛ و متى كان الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي له أن يغتذي بالأغذية الحارة الرطبة؛ و متى كان الغالب عليه المرة الصفراء فيغتذي بالأغذية الباردة الرطبة، و متى كان بدنه مستحصفا [٣] ، عسر التحلل فينبغي أن يغتذي بأغذية يسيرة لطيفة جافة، و متى كان متخلخلا فينبغي له أن يغتذي بأغذية لزجة، لكثرة ما يتحلل من البدن.
[١] الكيموس: الخلط.
[٢] مستحصف: مشتد.
[٣] المستحصف: الذي خرج البثر في جلده.