العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠ - تدبير الصحة
الدواء الذي لا داء معه حبّ الرشاد الأبيض. و قال الهندي: الهليلج الأسود. و قال الرومي: الماء الحارّ، و قال اليوناني و كان أطبّهم: حب الرشاد الأبيض يولد الرطوبة، و الماء الحارّ يرخي المعدة، و الهليلج الأسود يرق المعدة؛ و لكن الدواء الذي لا داء معه: أن تقعد على الطعام و أنت تشتهيه.
تدبير الصحة
ثم نذكر بعد هذا من وصف الطعام و حالاته، و ما يدخل على الناس من ضروب آفاته، بابا في تدبير الصحة الذي لا تقوم الأبدان إلا به، و لا تنمّى النفوس إلا عليه.
و قد قال الشافعي: العلم علمان: علم الأديان، و علم الأبدان؛ و لم نجد بدّا-إذ كانت جملة هذه المطاعم التي بها نمو الغراسة [١] ، و عليها مدار الأغذية تضرّ في حالة و تنفع في أخرى-من ذكر ما ينفع منها و مقدار نفعه، و ما يضرّ منها و مبلغ ضرّه؛ و أن نحكم على كل ضرب منها بالأغلب عليه من طبائعه.
و قلما نجد شيئا ينفع في حالة إلا و هو ضار في الأخرى؛ أ لا ترى أن الغيث الذي جعله اللّه رحمة لخلقه، و حياة لأرضه، قد يكون منه السيول المهلكة، و الخراب المخيف؟و أن الرياح التي سخرها اللّه مبشرات بين يدي رحمته، قد أهلك بها قوما و انتقم من قوم؟و في هذا المعنى قال حبيب الطائي:
و لم تر نفعا عند من ليس ضائرا # و لم تر ضرّا عند من ليس ينفع
قال خالد بن صفوان[يوما]لخادمه: أطعمنا جبنا، فإنه يشهّي الطعام، و يهيج المعدة، و هو حمض العرب. قال: ما عندنا منه شيء. فقال: لا بأس عليك، فإنه يقدح [٢] الأسنان، و يشد البطن.
و لما كانت أبدان الناس دائبة التحلل، لما فيها من الحرارة الغريزية من داخل، و حرارة الهواء المحيط بها من خارج-احتاجت إلى أن يخلف عليها ما تحلل، و اضطرت لذلك إلى الأطعمة و الأشربة، و جعلت فيها قوة الشهوة ليعلم بها وقت
[١] الغراسة: فسيل النخل.
[٢] يقدح: يحدث فيها أكالا.