العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧ - الثوري في ابنه
عبد الملك و مدعو إلى غدائه:
و دعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء، فقال. ما فيّ فضل يا أمير المؤمنين.
قال: لا خير في الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، و لكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.
و قال الأحنف بن قيس: جنّبوا مجالسنا ذكر النساء و الطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصّافا لبطنه و فرجه.
و قيل لبعض الحكماء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع؛ ما ألقيت إليه من شيء قبله.
و قال رجل من أهل الشام لرجل من أهل المدينة: عجبت منكم أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، و مجانينكم أظرف من مجانيننا! قال: أو تدري من أين ذلك؟ قال: لا أدري.
قال: من الجوع، أ لا ترى أن العود إنما صفا صوته لما خلا جوفه!
الثوري في ابنه:
و قال الجاحظ: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه و يقول له: إياك يا بنيّ و نهم الصبيان، و أخلاق النوائح، و نهش الأعراب؛ و كل مما يليك، و اعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة، أو مضغة شهيّة، أو شيء مستطرف، فإنما ذلك للشيخ المعظّم، أو للصبي المدلّل، و لست بواحد منهما، و قد قالوا: مد من اللحم كمد من الخمر.
أي بنيّ، عوّد نفسك الأثرة، و مجاهدة الهوى و الشهوة، و لا تنهش نهش السباع، و لا تخضم خضم البراذين، و لا تدمن الأكل إدمان النعاج، و لا تلقم لقم الجمال؛ فإن اللّه جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، و احذر سرعة الكظة، و سرف البطنة؛ فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى؛ و اعلم أن الشّبع داعية البشم [١] ، و البشم داعية السقم، و السقم داعية الموت؛ و من مات هذه الميتة فقد مات
[١] البشم: التخمة.