العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٧ - فتى من بني حنيفة و جارية
و خلفائهم أحدا يفي بالمأمون، و لا شاهدت من النساء امرأة كبوران في عقلها؛ و أما معرفتها و أدبها فما أظن من يتهيّأ له أن يقف من العلوم على ما وقفت عليه و لقد سألت بعض من يتولى خدمتها من العجائز: ما حملها على ما أرى؟فقالت: إنها تفعل ذلك منذ كذا و كذا سنة، و لقد عاشرت الظرفاء و الملاح و الأدباء أكثر من أن يقع عليه إحصاء، و لم يكن جرى بينها و بين أحد مكروه و لا خنا [١] و لا كلمة قبيحة؛ و لم يكن مذهبها في ذلك إلا حب الأدب و المذاكرة، و معاشرة الظرفاء و أهل المروءة و الأقدار و النّبل و الأخطار، لا لريبة تظهر، و لا لحالة تنكر. قال: فو اللََّه لقد تضاعف قدرها عندي، و عظم خطرها في نفسي، و علمت شرف همتها و فضلها.
فهذا خبر بوران صحيحا على الحقيقة، و سبب تزوّج المأمون بها.
فتى من بني حنيفة و جارية
قال هشام بن الكلبي و الهيثم بن عدي: إن ناسا من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم، فرأى فتى منهم في طريقه جارية، فرمقها و قال لأصحابه: لا أنصرف و اللََّه حتى أرسل إليها و أخبرها بحبي لها!فطلبوا إليه أن يكف فأبى، و أقبل يراسل الجارية؛ و تمكن حبها من قلبه، فانصرف أصحابه و أقام الفتى في ذلك الجبل، فمضى إليها ليلة متقلدا سيفا و هي بين أخوين لها نائمة، فأيقظها؛ فقالت: انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلاك!فقال: الموت أهون و اللََّه مما أنا فيه، و لكن اعطيني يدك أضعها على قلبي و أنصرف!فأعطته يدها، فوضعها على قلبه و انصرف؛ فلما كانت الليلة الثانية، أتاها و هي على مثل تلك الحال، فأيقظها، فقالت له مثل مقالها الأوّل، فقال:
لك اللََّه إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما أن أنصرف!فأمكنته فرشفهما ثم انصرف؛ فوقع في قلبها من حبه مثل ما كان به...
و فشا خبرهما في الحيّ، فقال أهل الجارية: ما مقام هذا الفاسق في هذا الجبل؟
[١] الخنا: الفحش في الكلام.