العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٨ - زواج المأمون ببوران
مجالس مفروشة، و مناصّ [١] مرصوصة، [فيها من]صنوف الفرش ما لم أر مثله إلا في دار الخليفة.
فجلست في أدنى مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ذلك إلا بضجة و جلبة، و ستور قد رفعت في ناحية من نواحي الدار، و إذا بوصائف يتسابقن في أيدي بعضهنّ الشمع، و بعضهنّ المجامر يبخرن فيها العود و الندّ؛ و بينهن جارية كأنها تمثال عاج، تتهادى بينهن كالبدر الطالع، بقدّ يزري على الغصون؛ فما تمالكت عند رؤيتها أن نهضت، فقالت: مرحبا بك من زائر أتى و ليست تلك عادته. و جلست، و رفعت مجلسي عن الموضع الذي كنت فيه، فقالت: كيف كان ذا و اللََّه لي و لك، و لا علم كان وقع إليّ؛ فما السبب؟قال: قلت: انصرفت من عند بعض إخواني، و ظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق، و أخذني البول فأخذت إلى هذا الطريق، فعدلت إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلا معلقا، فحملني النبيذ فجلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه، و إن كان صوابا فاللََّه ألهمنيه قالت: لا ضير إن شاء اللََّه، و أرجو أن تحمد عواقب أمرك؛ فما صناعتك؟قلت: بزّاز [٢] . قالت: و أين مولدك؟قلت: بغداد. قالت: و من أيّ الناس أنت؟قلت: من أماثلهم و أوساطهم.
قالت: حيّاك اللََّه و قرّب دارك!... قالت: فهل رويت من الأشعار شيئا؟قلت:
شيئا يسيرا. قالت: فذاكرنا بشيء مما حفظت قلت: جعلت فداك. إن للداخل دهشة، وفيّ انقباض؛ و لكن تبتدءين بشيء من ذلك، فالشيء يأتي بالمذاكرة. قالت:
لعمري لقد صدقت، فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا و كذا... ؟ ثم أنشدتني لجماعة من الشعراء، القدماء و المحدثين، من أحسن أشعارهم، و أجود أقاويلهم، و أنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب، من ضبطها، أم من حسن لفظها، أم من حسن أدبها، أم من حسن[روايتها و]جودة ضبطها للغريب، أم من
[١] مناصّ: جمع منصة، و هي كرسي مرتفع او سرير يعد للخطيب او للعروس.
[٢] البزاز: بائع البزّ. و هو نوع من الثياب.