العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٧ - فتوى أبي ضمضم
قال: فما هو إلا أن فرغ حتى دخل رسول اللََّه أمير المؤمنين و معه كركي [١] ، فقال: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام و هو يعذرك فيما هاج بك من الدم، و قد أمرك بالتخلف في منزلك إلى أن تغدو عليه إن شاء اللََّه، و يقول: ما أهدي إلينا اليوم غير هذا الكركي. فشأنك به. قال: فالتفت السندي إلى جلسائه فقال: ما يضع بهذا الكركي؟فقال الحجام: يطبخ سكباجا [٢] . قال السندي: يصنع كما قال. و حلف على الحجام الاّ يبرح؛ فحضر الغذاء فتغدّينا و هو ينظر، ثم قدّم الشراب، فلما دارت الأقدام قلت: يعلّق الحجام من العقبين [٣] !ثم قلت: جعلت فداك!سألني عن المنازل و السكك [٤] التي قدمت عليها و أنا مشغول في ذلك الوقت؛ و أنا أقصها عليك[الآن] فاستمع: خرجت من خراسان وقت كذا، فنزلت كذا... يا غلام، اضرب!فضربه عشرة أسواط؛ ثم قلت: و خرجت منه إلى مكان كذا... يا غلام، أوجع!فضربه عشرة أسواط أخرى؛ و لم يزل يضربه لكل سكة عشرة، حتى انتهى إلى سبعين سوطا فالتفت إليّ الحجام و قال: يا سيدي، سألتك باللََّه، إلى أين تريد أن تبلغ؟قلت: إلى بغداد. قال: لست تبلغ حتى تقتلني. قلت: فأتركك على ألاّ تعود؟قال: و اللََّه لا أعود أبدا. قال: فتركته، و أمرت له بسبعين درهما: فلما دخلت على المأمون أخبرته الخبر؛ فقال: وددت أنك بلغت به إلى أن تأتي على نفسه.
فتوى أبي ضمضم:
أتت جارية أبا ضمضم فقالت: إن هذا قبّلني. فقال قبّليه، فإنّ اللََّه يقول:
وَ اَلْجُرُوحَ قِصََاصٌ [٥] .
و ارتفع رجلان إلى أبي ضمضم، فقال أحدهما: أبقاك اللََّه، إن هذا قتل ابني.
[١] الكركي: طائر كبير، اغبر اللون، طويل العنق و الرجلين، ابتر الذنب، قليل اللحم، يأوي الى الماء احيانا.
[٢] السكباج: طعام يعمل من اللحم و الخلّ مع توابل و أفاويه.
[٣] العقابان: خشبتان يشبح الرجل بينهما فيجلد.
[٤] السكك، جمع سكة: الطريق المستوي.
[٥] سورة المائدة الآية ٤٥.