العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٦ - جارية في الطواف
و لقد قام لحظ عيـ # ني على القلب بالقلى
قلت له: أبو من أعزك اللََّه؟قال: أبو عيشونة الخياط، شهدت حروب ابن زبيدة كلها، و جاريت الفتيان في غاية كل ميدان، و اعترف لي كلّ فاتك، و أذعن لي كل شاطر، و نزلت تلك الدار عشرين سنة-و أومأ إلى سجن بغداد-ثم تنفس الصعداء، و قال: أنا الذي أقول:
لي فؤاد مستهام # و جفون لا تنام
و دموع آخر الدّهـ # ر لعينيّ سجام [١]
و حبيب كلّما خا # طبته قال سلام
فإذا ما قلت زرني # قال لي: ذاك حرام!
ثم بكى، فلما أفاق قلت: ما يبكيك؟قال: و كيف لا أبكي و لي حبيب بالبصرة علقته و هو ابن سبع عشرة سنة، ثم غبت عنه ثلاثا و ثلاثين سنة، فلما عيل صبري خرجت إلى البصرة فطفت في شوارعها حتى رأيته، فما رأيت وجها أحسن منظرا و لا أزهى منه. ثم أنشأ يقول:
مردّة في كمده # معذّب في سهده [٢]
خلا به السّقم، فما # أسرعه في جسده
يرحمه لما بدا # من ضرّه ذو حسده.
ثم ودعني و مضيت.
جارية في الطواف
و حدث أبو الفضل قال: إني بالطواف أمام الحجر، إذا سمعت حنينا يخرج من بين الأستار، و إذا بقائل يقول:
عفا اللََّه عمّن يحفظ الودّ جهده # و لا كان عفو اللََّه للنّاقض العهد
[١] سجم الدمع: أي سال.
[٢] الكمد: الحزن الشديد.