العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٤ - أبو نواس في مجلس شراب
لبد أبيض، فوقّع في ثمانمائة قصة، فو اللََّه لقد أصاب فما أخطأ، و أسرع فما أبطأ؛ ثم قال لي: يا فضل، أ تراني لا أحسن التدبير و السياسة، و لكني وجدت شمّ الآس، و شرب الكاس، و استلقاء من غير نعاس، أشهى إليّ من ذلك!
أبو عيسى و أبو نواس
قال ابن قتيبة: خرج أبو عيسى جبريل بن أبي عيسى إلى متنزه له بالقفص [١] ، و معه الحسن بن هانئ، في آخر شعبان: فلما كان اليوم الذي أوفى به الشهر ثلاثين يوما، قيل له: إن هذا يوم شك، و بعض أهل العلم يصومه. فقال: لا عليك، ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته. ثم قال لابن أبي عيسى:
لو شئت لم نبرح من القفص # نشربها حمراء كالحصّ [٢]
نسرق هذا اليوم من شهرنا # و اللََّه قد يعفو عن اللّصّ!
أبو نواس في مجلس شراب
و ذكروا أن أبا عيسى خرج إلى القفص متنزها و معه الحسن بن هانئ، فحمله و خلع عليه، فأقام فيها أسبوعا، ثم قال له: بحياتي صف مجلسنا و الأيام كلها. فقال في ذلك:
يا طيبنا بقصور القفص مشرفة # بها الدّساكر و الأنهار تطّرد
لمّا أخذنا بها الصّهباء صافية # كأنّها النار وسط الكأس تتقد
جاءتك من بيت خمّار بطينتها # صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد
و قام كالبدر مشدودا قراطقه # ظبي يكاد من التّهييف ينعقد [٣]
فصبّها من فم الإبريق، فانبعثت # مثل اللسان جرى و استمسك الجسد
[١] القفص: قرية بين بغداد و عكبراء، تنسب اليها الخمور الجيدة و الخانات الكثيرة.
[٢] الحص: الورس او الزعفران.
[٣] قراطق: جمع قرطق: القباء.