العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٢ - خبر ذي الرمة
الشعر، بيضاء تغمرها صفرة، و عليها ثوب أصفر، و طاق أخضر؛ فقلن: أنشدنا يا ذا الرمّة؛ فقال: أنشدهنّ يا عصمة. فأنشدتهنّ:
نظرت إلى أظعان ميّ كأنها # ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأعربت العينان و الصدر كاتم # بمغرورق تمت عليه سواكبه
بكا وامق خاف الفراق و لم تجل # جوائلها أسراره و مغايبه
فقالت ظريفة منهنّ: لكن الآن فلنجل. قال: فنظرت إليها مية متكرهة، ثم مضيت في القصيدة، حتى انتهيت إلى قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح # على القلب آبته جميعا عوازبه
فقالت[لها]الظريفة: قتلته قاتلك اللََّه!قالت مية: ما أصحه و هنيئا له!فتنفس ذو الرمّة تنفسا ظننت معه أنّ فؤاده قد انصدع؛ و مضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
و قد حلفت باللََّه ميّة ما الذي # أقول لها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني اللََّه من حيث لا أرى # و لا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فالتفتت إليه[ميّة]فقالت: خف عواقب اللََّه!و مضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:
إذا راجعتك القول ميّة أو بدا # لك الوجه منها أو نضا الثّوب سالبه
فيا لك من خدّ أسيل و منطق # رخيم و من خلق تعلّل جادبه [١]
فقالت الظريفة: أما هذه فقد راجعتك، و قد بدا لك الوجه منها، فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟فالتفتت مية إليها فقالت: قاتلك اللََّه، ما أنكر ما تجيبين به! فتحدثن ساعة، ثم قالت الظريفة للنساء: إن لهذين شأنا، فقمن بنا[عنهما.
فقامت، و قمن معها]و قمت معهنّ: فجلست في بيت أراهما منه، فما رأيته برح من مقعده و لا قعدته؛ فسمعتها قالت له: كذبت و اللََّه!و لا أدري ما قال لها.
[١] الجادب: العائب.