العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١١ - بين الأمين و جلسائه
على إمرة مطاعة فقمرته [١] . فقال لها: تمنّي!قالت: تقوم فتقطع فردا. فقام فقضى فيها وطره، ثم لاعبها فقمرته، فقال لها: تمنّي!فقالت: المعاودة فغشيها، ثم لاعبته فقمرته. فقالت: قم لميعادك!فقال: لا أقدر على ذلك!قالت: فاكتب لي به عليك كتابا آخذ به متى شئت!قال: ذلك لك. فدعت بدواة و قرطاس، ثم كتبت: هذا «كتاب فلانة على مولاها أمير المؤمنين: إن لي عليك قرضا آخذك به متى شئت و أنى شئت من ليل أو نهار... و كان على رأسها وصيفة، فقالت: تزيّدي في الكتاب، فإنك لا تأمنين الحدثان!و من قام بهذا الذكر حق قيامه فهو وليّ ما فيه!فضحك الرشيد حتى استلقى على فراشه، و استظرفها، و أمر بأن تنزل مقصورة و أن يجرى عليها رزق سنيّ، و شغف بها، و يقال: إنها مراجل أم المأمون.
بين الأمين و جلسائه
تنفس محمد بن هارون الأمين يوما في مجلسه أيام الحصار، فالتفت إلى جليس له- و هو محمد بن سلاّم صاحب المظالم-فقال له: ويحك يا محمد!أ تراني؟قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول الشاعر:
ذكر الهوى فتنفس المشتاق # و بدا عليه الذّلّ و الإطراق
يا من يصيّرني لأصبر بعده # الصبر ليس يطيقه العشاق
فقال: لا و اللََّه ما نكأتها [٢] . ثم التفت إلى جليس له آخر. فقال: ويحك!أ تراني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن الأحنف:
تذكرت بالريحان منك شمائلا # بالراح عذبا من مقبّلك العذب [٣]
فقال: لا و اللََّه ما نكأتها ثم التفت إلى كوثر الخادم، فقال: ويحك، أ تراني؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني:
إن كان دهر بني ساسان فرقهم # فإنما الدهر أطوار دهارير [٤]
[١] قمرته: غلبته في اللعب.
[٢] أي لم تصب.
[٣] الراح: الخمر.
[٤] دهارير: مختلفة.