العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٥ - خبر دعبل و صريع الغواني
اكمل الخير، معي وجه صبيح، يعدل الدنيا بما فيها، و قد حصل على ضيقة و عسر! فقال: قد شكوت ما كدت أباديك بشكواه!ائت بها. فلما دخلت قال: و اللََّه لا أملك غير هذا المنديل!فقلت: هو البغية فناولنيه. فقال: خذه لا بارك اللََّه لك فيه!فأخذته، فبعته بدينار و كسر، فاشتريت لحما و خبزا و نبيذا، و صرت إليه: فإذا هما يتساقطان حديثا كأنه قطع الروض المعطور؛ قال: ما صنعت؟فأخبرته؛ قال:
كيف يصلح طعام و شراب و جلوس مع وجه نظيف بلا نقل و لا ريحان و لا طيب؟ اذهب فالطف لتمام ما كنت أوّله.
قال: فخرجت فاضطربت في ذلك حتى اتيت به، فألفيت باب الدار مفتوحا، فدخلت؛ فإذا لا يرى لهما و لا لشيء مما أتيت به أثر، فسقط [١] في يدي، و قلت:
أرى صاحب الربع أخذهما!فبقيت متلهفا حائرا، أرجم الظنون و أجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أ فلا أدور في البيت لعل الطلب يوقفني على أثر؟ففعلت، فوقفت على باب سرداب له، و إذا هما قد هبطا فيه، و أنزلا معهما جميع ما يحتاجان إليه، فأكلا و شربا و تنعّما؛ فلما أحسستهما دليت رأسي ثم ناديت:
مسلم!ويلك!فلم يجبني، حتى ناديت ثلاثا؛ فكان من إجابته لي أن غرّد بصوت يقول فيه:
بتّ في درعها و بات رفيقي # جنب القلب طاهر الأطراف [٢]
ثم قال: دعبل، ويلك!من يقول هذا؟قلت:
من له من حر امّه ألف قرن # قد أنافت على علوّ مناف [٣]
قال: فضحك، ثم سكتا، و استجلبت كلامهما فلم يجيباني، و أخذا في لذتهما، و بتّ بليلة يقصر عمر الدهر عن ساعة منها طولا و غما!حتى إذا أصبحت و لم أكد، خرج إليّ مسلم، فجعلت أؤنبه، فقال لي: يا صفيق الوجه!منزلي، و منديلي، و طعامي، و شرابي؛ فما شأنك في الوسط؟قلت له: حقّ القيادة و الفضول و اللََّه لا غير!فولى
[١] سقط في يده: ندم و تحير.
[٢] الدرع: قميص المرأة.
[٣] المناف: المرتقى.