المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٤ - ٧٤٧- سلمة بن دينار، أبو حازم، مولى بني أشجع
دينار. ثم قال: خذها يا أبا حازم. قال: لا حاجة لي فيها، إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي.
و كان سليمان أعجب بأبي حازم فقال الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط. فقال أبو حازم: إنك نسيت اللَّه فنسيتني، و لو أحببت اللَّه لأحببتني. قال الزهري: أ تشتمني؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على جاره حقا؟ فقال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، و كانت العلماء تفرّ بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم و أتوا به إلى الأمراء، فاستغنت به عن الزّهّاد، و اجتمع القوم على المعصية [١]، فسقطوا و انتكسوا، و لو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم.
قال الزهري: كأنك إياي تريد، و بي تعرّض. قال: هو ما تسمع.
أخبرنا ظفر بن علي بن العباس المهراني قال: أخبرنا أبو الحسن فيد بن عبد الرحمن بن شادي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن سعيد قال: أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازيّ قال: أخبرنا العباس بن عبد اللَّه المزني قال: حدّثنا المبرد، عن الرياشي، عن الأصمعي قال: دخل أبو حازم الطواف، فإذا هو بامرأة سافرة عن وجهها تطوف، و قد فتنت الناس بحسن وجهها فقال: يا هذه، ألا تخمرين وجهك؟
فقالت: يا أبا حازم، إنا من اللواتي يقول فيهن الشاعر:
١٦/ ب/
أماطت قناع الخز عن حر وجهها * * * و أبدت من الخدين بردا مهلهلا
من اللائي لم يحججن تبغين ريبة [٢] * * * و لكن ليقتلن البريء المغفلا
و ترمي بعينيها القلوب إذا بدت * * * لها نظر لم يخط للحيّ مقتلا
فأقبل أبو حازم على أهل الطواف فقال: يا أهل بيت اللَّه، تعالوا ندع اللَّه أن لا يعذب هذا الوجه بالنار، فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: لو كان من بعض أهل العراق لقال: يا عدوة اللَّه، و لكن ظرف أهل الحجاز.
[١] في الأصل: «على العصبية» و ما أثبتناه من ت.
[٢] في ت: «تبغين حسبه» و ما أثبتناه من الأصل.