المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨٣ - ثم دخلت سنة ست و ستين
و مال يعقوب إلى إسحاق بن الفضل فقيل للمهدي لو أراد أخذ له الدنيا في يوم.
فملأ ذلك قلب المهدي عليه. و دخل عليه يوما فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت اضطراب مصر فأمرتني أن ألتمس لها رجلا يجمع أمرها و قد أصبته. قال: من هو؟ قال:
ابن عمك إسحاق بن الفضل، فرأى في وجه المهدي التغير، فنهض و أتبعه المهدي طرفه، و قال: قتلتني و اللّه إن لم أقتلك. و لم يزل موالي المهدي يحرضونه عليه، و دخل عليه يوما و هو في مجلس متناهي الحسن، و عنده جارية في غاية الكمال، فقال له: يا يعقوب كيف ترى مجلسنا؟ قال: على غاية الحسن فمتع اللَّه أمير المؤمنين به، فقال:
هو لك احمله بما فيه، و هذه الجارية ليتم سرورك به، فدعا له فقال: ولي إليك حاجة فأحب أن تضمن لي قضاءها، فقال: الأمر لأمير المؤمنين و عليّ السمع و الطاعة، فقال:
و اللَّه، ثلاث مرات، فقال: و حياة رأسي، فقال: فحياة رأسك قال: فضع يدك عليه فاحلف، ففعل لتقضين حاجته فقال: هذا فلان بن فلان من ولد علي، أحب أن تكفيني مئونته و تريحني منه، و تعجّل ذلك، فقال: أفعل، قال: فخذه إليك فحوله و حوّل الجارية و جميع ما كان في البيت، و أمر له بمائة ألف درهم، فلما مضى إلى منزله لم يصبر عن الجارية فضرب بينه و بينها سترا، و دعا بالعلوي، فإذا أعقل الناس، فسأله عن حاله فأخبره، فقال: يا يعقوب تلقى اللَّه بدمي، و أنا من ولد فاطمة] [١]/ بنت رسول ١٢٨/ أ اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )؟ فقال له: لا و اللّه، فهل فيك أنت خير؟ قال: إن فعلت خيرا شكرت [٢]، فقال له: أي الطريق أحب إليك؟ فقال: طريق كذا و كذا. قال: فمن هاهنا تأنس به و تثق بموضعه؟ قال: فلان و فلان، فقال: فابعث إليهما و خذ هذا المال و امض معهما مصاحبا في ستر اللَّه، موعدك في خروجك من داري وقت كذا و كذا من الليل، فسمعت الجارية ذلك، فبعثت به مع خادم لها إلى المهدي و قالت: هذا جزاؤك من الّذي آثرته على نفسك، فبعث المهدي من وقته فشحن تلك الطرق [٣] و المواضع برجال، فلم يلبث أن جاءوه بالعلوي و صاحبيه و المال، و أصبح يعقوب من غد ذلك اليوم، فإذا رسول المهدي يستحضره، فدخل عليه، فقال: يا يعقوب ما فعل الرجل؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد أراحك اللَّه منه، قال: مات؟ قال: نعم، قال: و اللّه، قال: و اللّه، قال: فقم فضع يدك
[١] إلى هنا ينتهي مقدار الورقة رقم ١٢٧ المفقودة.
[٢] في ت: «شكرتك».
[٣] في ت: «الطريق».