إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٥٨ - ٧٥ شرح إعراب سورة القيامة
و التصديق بها لازم للعباد أن يؤمنوا بها و إن لم تبلغه عقولهم و لم يعرفوا تفسيرها فعليهم الإيمان بها و التسليم بلا كيف و لا تنفير و لا قياس لأن أفعال اللّه لا تشبّه بأفعال العباد.
قال أبو جعفر: فهذا كلام العلماء في كل عصر المعروفين بالسّنة حتى انتهى ذلك إلى أبو جعفر محمد بن جرير، فذكر كلام من أنكر الرؤية و احتجاجه و تمويهه و ردّ ذلك عليه و بيّنه و نحن نذكر كلامه [١] نصا إذ كان قد بلغ فيه المراد إن شاء اللّه فذكر اعتراضهم بقوله تعالى: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ [الأنعام: ١٠٣]فأما قوله جلّ و عزّ قََالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قََالَ لَنْ تَرََانِي [الأعراف: ١٤٣]فمما لا يحتاج إلى حجّة لأن فيه دليلا على النظر إذ كان موسى صلّى اللّه عليه و سلّم مع محلّه لا يجوز أن يسأل ما لا يكون فدلّ على أن هذا جائز أن يكون، و كان الوقت الذي سأله في الدنيا، فالجواب أنه لا يراه في الدنيا أحد و احتجّ في تمويههم بقوله عزّ و جلّ لا تدركه الأبصار بقول عطية العوفي في قول اللّه جلّ و عزّ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ`إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ قال: هم ينظرون إلى اللّه عزّ و جلّ لا تحيط أبصارهم به من عظمته و بصره يحيط بهم فذلك قوله: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ قال: و اعتلّ قائلو هذه المقالة بقوله جلّ و عزّ: حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ اَلْغَرَقُ [يونس: ٩٠]و الغرق غير موصوف بأنه رآه قالوا: فمعنى «لا تدركه الأبصار» من معنى لا تراه بعيدا؛ لأن الشيء قد يدرك الشيء و لا يراه مثل «حتّى إذا أدركه الغرق» فكذا قد يرى الشيء الشيء و لا يدركه و مثله: قََالَ أَصْحََابُ مُوسىََ إِنََّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١]و قد كان أصحاب فرعون رأوهم و لم يدركوهم و قد قال جلّ ثناؤه لاََ تَخََافُ دَرَكاً [طه: ٧٧]فإذا كان الشيء قد يرى الشيء لا يدركه و يدركه و لا يراه علم أنّ «لا تدركه الأبصار» من معنى لا تراه الأبصار بمعزل، و أن معنى ذلك لا تحيط به الأبصار لأن الإحاطة به غير جائزة. و المؤمنون و أهل الجنة يرون ربهم جلّ و عزّ و لا تدركه أبصارهم بمعنى لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يكون يوصف اللّه بأن شيئا يحيط به و نظير جواز وصفه بأنه يرى و لا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم و لا يحاط به. قال تبارك و تعالى: وَ لاََ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاََّ بِمََا شََاءَ [البقرة: ٢٥٥]و معنى العلم هنا المعلوم فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه و إنما هو نفي الإحاطة به، كذا ليس في نفي إدراك اللّه جلّ و عزّ البصر في رؤيته له نفي رؤيته له فكما جاز أن يعلم الخلق شيئا و لا يحيطون به علما كذا جاز أن يروا ربهم بأبصارهم و لا تدركه أبصارهم إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، و معنى الإدراك غير معنى الرؤية لأن معنى الإدراك الإحاطة كما قال ابن عباس: لا تحيط به الأبصار و هو يحيط بها. فإن قيل: و ما أنكرتم أن يكون معنى «لا تدركه الأبصار» لا
[١] أخرجه ابن ماجة في سننه باب ١٣ الحديث ١٨٣.