إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٤٣ - ٧٣ شرح إعراب سورة المزّمّل
و إنما أخبر بحقيقة ما يعلمه، و قد عكس الفراء [١] قوله فاختار النصب؛ لأن المعنى عنده عليه أولى لأنه يستبعد و أقلّ من نصفه: لأنه إنما يبين القليل عنده لا أقلّ القليل، و لو كان كما قال لكان نصفه بغير واو حتى يكون تبيينا لأدنى، و السلامة من هذا عند أهل الدين إذا صحّت القراءتان عن الجماعة أن لا يقال إحداهما أجود من الأخرى لأنهما جميعا عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيأثم من قال ذلك. و كان رؤساء الصحابة رحمهم اللّه ينكرون مثل هذا و قد أجاز الفراء [٢] . إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنىََ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ نصب «ثلثه» عطفا على «أدنى» و خفض نِصْفَهُ عطفا على ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ و احتجّ بالحديث:
انتهت صلاة النبي إلى ثلث الليل [٣] و هذا أيضا مما يكره أن تعارض به قراءة الجماعة بما لم يقرأ به و بحديث إن صح لم تكن فيه حجّة وَ طََائِفَةٌ مِنَ اَلَّذِينَ مَعَكَ احتجّ بعض العلماء بهذا و استدل على أن صلاة الليل ليست بفرض. قال: و لو كانت فرضا لقاموا كلّهم. وَ اَللََّهُ يُقَدِّرُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ أي يقدّر ساعاتهما و أوقاتهما عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال الحسن و سعيد بن جبير: أن لن تطيقوه، و قال الفراء: أن لن تحفظوه فَتََابَ عَلَيْكُمْ رجع لكم إلى ما هو أسهل عليكم. و التوبة في اللغة الرجوع فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىََ و التقدير عند سيبويه أنّثه و ذكّر سيكون؛ لأنه تأنيث غير حقيقي وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ عطف على «مرضى» و كذا وَ آخَرُونَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنْهُ فلهذا استحبّ جماعة من العلماء من العلماء قيام الليل، و لو كان أدنى شيء و الحديث فيه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مؤكد. وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ وَ أَقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً قال ابن زيد: النوافل سوى الزكاة. وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً أي مما أنفقتم و نصبت «خيرا» لأنه خبر «تجدوه» و هُوَ زائدة للفصل وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ أي من ذنوبكم و تقصيركم إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ أي على سائر عقوبة من تاب رَحِيمٌ به لا يعذّبه بعد التّوبة.
[١] انظر معاني الفراء ٣/١٩٩.
[٢] انظر معاني الفراء ٣/١٩٩.
[٣] انظر تفسير الطبري ١٩/٣٣.