مائة مبحث ومبحث في ظلال دعاء أبي حمزة الثمالي - الشيخ جبّار جاسم مكّاوي - الصفحة ٣٤٤ - في الغفلة
في الغفلة
الغفلة : سهوٌ يعتري الإنسان من قلّة التحفّظ والتيقّظ ، يقال : غَفَلَ فهو غافل ، قال تعالى : (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [١].
إذن فالغفلة في سياق الآية تشكّل غطاءً حاجباً عن رؤية الحقّ ، وقد قال سبحانه : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) [٢].
لقد وصف الله سبحانه بعض عباده بالغفلة ، ولمّا كان الوصف للناس فقد أُريد به الغالبيّة العظمى منهم ، ومعنى هذا أنّ الغفلة ملازمة للإنسان لا يكاد يخلو منها ومن آثارها السلبيّة إلّا من عصم الله ، فهذا التعلّق بالدنيا وبأسباب البقاء ، والانغماس في الترف والملذّات قد ملأ القلوب والعقول.
ويمكن تقسيم المصابين بمرض الغفلة قسمين :
١. الغافلون عن أصل المعاد الأُخرويّ ، وهؤلاء لا يتفكّرون في عاقبة أمرهم ، بل إنّهم أنكروا ضرورة من ضرورات الدين ، وأنكروا الحكمة من الخلق وجعلوه مسألة عبثيّة ، حيث أنكروا الجزاء على العمل ، وهذا القسم يُسمّى «الإعراض» ، فأقفل هؤلاء قلوبهم على الكفر والعتوّ والطغيان إلى غير رجعة ، وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى على لسان نبيّة نوح ٧ قائلاً : (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [٣].
٢. الغافلون عن تصوّر المسؤولية الأخرويّة حقّ تصوّرها وكما ينبغي ، فهم لاهثون
[١] ـ سورة ق : ٢٢.
[٢] ـ الأنبياء : ١.
[٣] ـ نوح : ٥ ـ ٧.