مائة مبحث ومبحث في ظلال دعاء أبي حمزة الثمالي - الشيخ جبّار جاسم مكّاوي - الصفحة ١٤٤ - المبحث التاسع عشر في الغِنى
إنّ الدرهم والدينار قد أغرى أصحاب النفوس الضعيفة فباعوا آخرتهم بدنياهم ، وانحازوا إلى جانب الطغاة طمعاً في مالهم ، ووضعوا لهم الأحاديث ، وأقاموا مجالس الوعظ والإرشاد لتخدير الشعوب ، وتركيع الأفراد على أقدام السلاطين الخارجين عن الإسلام ، السافكين للدماء ، السارقين لثروات شعوبهم.
قال الإمام الحسن ٧ لأبيه أمير المؤمنين ٧ : يا أبه ، أما ترى حبّ الناس للدنيا؟ فقال ٧ : هم أولادها ، أفيُلام المرءُ على حبّ والدته؟! [١]
قال الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين ٨ في حديث : فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك : حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة [٢].
وورد في «الكافي» في كتاب الإيمان والكفر في باب حبّ الدنيا والحرص عليها : يُنقَل أنّ عيسى بن مريم ٧ مرّ على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابّها ، فقال ٧ : أما إنّهم لم يموتوا إلّا بسخطة ، ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا ، فقال الحواريّون : يا روح الله وكلمته ، أُدعُ الله أن يُحْيِيَهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنَجْتنبَها.
فدعا ٧ ربّه فنُودي من الجوّ أن نادِهِم ، فقام عيسى ٧ بالليل على شُرَف من الأرض فقال : يا أهل هذه القرية ، فأجابه منهم مجيب : لبّيك يا روح الله وكلمته.
فقال ٧ : ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال : عبادة الطاغوت ، وحبّ الدنيا ، مع خوف قليل وأمل بعيد ، وغفلة في لهو ولَعِب.
فقال ٧ : كيف كان حبّكم للدنيا؟ قال : كحبّ الصبيّ لأمِّه ، إذا أقبَلَت علينا
[١] ـ جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ ٧ ٢ : ١٥٥.
[٢] ـ الكافي ٢ : ٣١٧ / ح ٨.