مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ١٨٠ - ردّ الاستدلال بالأخبار
الحديث على مطلق الظنّ، ولا ريب في ضعفه; لأنّ اللازم منه نجاسة الماء بمباشرة المتّهمين بالنجاسة، وهو باطل قطعاً.
الثالث: إنّا لو سلّمنا أنّ المراد من العلم هو القطع واليقين، فهو حاصل ها هنا; لأنّ الظنّ بالنجاسة مستلزم للعلم بها بمعونة مقدّمة، هي: أنّ ظنّ المجتهد حجّة قطعاً; إذ يحصل عنده بواسطتها مقدّمتان، إحداهما: أنّ هذا ـأعني نجاسة القليل بالملاقاةـ ممّـا أدّى إليه ظنّي، والأُخرى: أنّ كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم الله في حقّي. والمقدّمتان قطعيّتان; فإنّ الأُولى وجدانيّة، والثانية إجماعيّة، فينتج أنّ هذا حكم الله في حقّي قطعاً.
فإن قيل: اللازم من ذلك هو العلم بالحكم الظاهريّ، وهو المعبّر عنه بأنّه حكم الله في حقّ المجتهد، والمستفاد من الحديث أنّ الحكم بالنجاسة يتوقّف على العلم بثبوتها في الواقع وأين هذا من ذاك.
قلنا: القطع بالحكم الظاهري وإن لم يستلزم القطع بالنجاسة، لكن لا ريب في استلزامه القطع بأنّ الطهارة ليست هي حكم الله تعالى في حقّه، وهو كاف في المطلوب.
لكن يرد أنّ حصول الظنّ بالنجاسة للمجتهد إنّما هو مع قطع النظر عن هذا الخبر، وأمّا مع ملاحظته، فلايبقى له ظنّ بكون الحكم هو النجاسة.
وتوضيحه: أنّه إن أُريد حصول الظنّ للمجتهد بالنجاسة نظراً إلى الأدلّة المتقدّمة من غير اعتبار المعارض، فمسلّم، لكن لانسلّم حجّية مثل هذا الظنّ; لأنّ ظنّ المجتهد إنّما يكون حجّةً لو فُرض استقصاؤه جميع الأدلّة، واستفراغ الوسع في المسألة بحسب الطاقة، فمع قطع النظر عن بعضها لايكون حجّة.
وإن أُريد حصول الظنّ له بعد ملاحظة الأدلّة كلّها، ومنها الخبر المذكور، فممنوع!