الكمالات الالهية فى الصفات المحمدية - الجيلي، الشيخ عبدالكريم - الصفحة ٣٣٧ - الفصل الثانى فى مظهرية الإنسان للعالم صورة و معنى علوا و سفلا ظاهرا و باطنا فاعلة و منفعلة
وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ[١].
فالعلم كله مسخر للإنسان مخلوق من أجله، و الإنسان هو الأصل فى ذلك. و لا اعتبار بخلق السموات و الأرض و الملائكة قبل خلق الإنسان. فإنما جرت سنّة اللّه بذلك أن يخلق الشجرة قبل الثمرة. و الثمرة هى المقصودة من الشجر. ألا تراه كيف يخلق الجسم فى الرحم، قبل نفخ الروح فيه. فكذلك العالم بالمثابة جسم و الإنسان روحه، فالأصل هو الروح و الجسم غير مطلب لنفسه، ألا تراه يفنى الجسم، و الروح باقية.
كما يفنى العالم (الدنيا) و الإنسان باق. فى الدار الآخرة فكذلك كل العوالم فرع فى المعنى على الإنسان، و هو الأصل.
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الإنسان عالم كبير في نفسه، و فيه مضاهاة لكل شئ من الأشياء الموجودة في العالم الكبير، جملة و تفصيلا.
فأول مضاهاته هى المضاهاة العلوية و لأجل ذلك نذكرها أولا. ثم نرجع إلى مضاهاه العالم السفلى.
إن شاء اللّه تعالى.
فاعلم: أنه يضاهى العرش بقلبه، و قد قال ٧
«قلب المؤمن عرش اللّه تعالى»[٢]
و يضاهى الكرسى بنفسه، و يضاهى اللوح بمخيلته. فكما أن صور الموجودات ظاهرة في اللوح كذلك هى ظاهرة في مخيلة الإنسان منطبعة فيها بالقبلية الأصلية. و يضاهى القلم بعقله الكلى. فكما أن القلم يثبت فى اللوح مقادير
[١] - الآية رقم( ١٣) من سورة الجاثية مكّية.
[٢] - حديث:( قلب المؤمن عرش اللّه تعالى) لم أقف عليه.