الكمالات الالهية فى الصفات المحمدية - الجيلي، الشيخ عبدالكريم - الصفحة ٢٥٥ - * النوع الثانى فى الدلائل الثابتة بالحديث النبوى
لنفسه، لأنه كان يقول فى كلها: «و لا فخر».
و افتخر صلّى اللّه عليه و سلم بالفقر. لأن الفقر المحمدى عبارة عن الأكملية الكبرى الجامعة بين الألوهة و العبودة. و الأحاديث الواردة بأكمليته كثيرة لا تحصى.
و يكفى هذا القدر من ذكر ذلك لأن الأمة مجمعون على ذلك، و ما ذكرنا هذا المقدار من هذا المعنى إلا ليعرف أهل اللّه ما هم عليه من النبى صلّى اللّه عليه و سلم. فإن للحقائق سكرة، و للتوحيد شطحه، و للقلوب جموحا، فإذا تأمل الفقير إلى مقامات هؤلاء النبيين الكمّل، و الملائكة الفضّل، و كيف تأخروا عنه، مع علو مكانهم و عظم شأنهم، فوقفوا دونه فى الحقيقة التوحيدية، و عجزوا عن بلوغ شأوه، و فقر مداهم عن نيل مناله، تأدب حينئذ و لزم حده من الفقر و التذلل بين يدى سيد العالم الذى هو مطلوب كل فقير.
نكتة: كل ولى يحضر بين يدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لم يصرف كلمة الحضرة الكمالية إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فإنه لا يبلغ مرتبة الكمال، و كل من حضر بين يدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فى مشهد و كان مشاهدا للّه فى نفسه ثم صرف كلمة الحضرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم
فشهدها فى محمد (عليه الصلاة و السلام) من غير حلول، بل كما هو للّه فإنه يكمل و يحصل له بتركه ذلك الصرف ما لم يكن فى قابليته، لأنه يأخذ حينئذ بقابلية النبى صلّى اللّه عليه و سلم و كم بين الآخذ بقابلية النبى صلّى اللّه عليه و سلم و بين الآخذ بقابلية ولى. لأن كل ولى و إن علا شأنه فليس محتدّه من الكمالات الإلهية إلّا الأسماء أو الصفات، و محتد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هو الذات. و ها أنذا أذكر لك ذلك فى هذا المحل إن شاء اللّه تعالى.