الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٦٩ - منشأ وضع هذه الروايات
ونحن نلتزم بمضمون هذه الروايات فنقول: إنّ اللباس إذا اختص به أعداء الدين فلايجوز لبسه، مثل القبعة التي يختص بلبسها اليهود.
ولكن لباس السواد لم يثبت اختصاص لبسه بأعداء الدين، نعم يمكن ثبوت الاختصاص بخصوص (اللبادة السوداء) فإن لبسها من مختصات علماء اليهود والنصارى، وإذا ثبت ذلك فيها فلبسها حرام.
بقي أمر تعرض له صاحب الحدائق (قدس سره) فإنّه بعد أن نقل هذه الروايات قال: «لايبعد استثناء لبس الأسود في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار، لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان ...»[١].
ولم يبيّن الوجه في عدم شمول هذه الروايات لذلك، والوجه في عدم الشمول هو: أنّ في لبس المؤمنين الثياب السوداء في وفيات الأئمة (عليهم السلام) وبالخصوص في أيام محرم الحرام وشهر صفر إظهاراً لمودتهم وحبهم لأهلالبيت (عليهم السلام) فيحزنون لحزنهم، وأنّ هذا العمل من المؤمنين إحياء لأمر أهلالبيت (عليهم السلام)، وقد روي عنهم (عليهم السلام): «رحم اللّه من أحيا أمرنا»، فإذا ارتدى عامة الناس من الرجال والشباب والأطفال الثياب السود كان ذلك ظاهرة اجتماعية تلفت نظر الغريب فيسأل: ماذا حدث؟ بالأمس كان الأمر طبيعياً وكانت ألوان ثياب الناس مختلفة، وأمّا اليوم فقد لبسوا كلهم السواد؟!
فعندما يوضح له بأن اليوم يوم حزن ومصيبة على ريحانة الرسول الحسينبن علي (عليه السلام)، كان هذا الأمر في حد نفسه إحياءً لأمره (عليه السلام)، ولهذا اشتهر أنّ بقاء الإسلام بشهري محرم وصفر، و ذلك لأن حقيقة الإسلام والإيمان قد أُحييت بواقعة كربلاء، و هذا دليل لابدّ من المحافظة عليه لتراه الأجيال القادمة مثلًا أمامهم فيحصل لهم اليقين به، فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه قد أثبت أحقية التشيع، وأبطل سائر ما عداه.
[١] الحدائق الناظرة ١١٨: ٧.