الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٣١ - الجهة الثانية - إشكال وجواب
الجهة الثانية- إشكال وجواب:
الإشكال: أنّه لو كانت العصمة بهذا المعنى تفضّلًا من اللّه سبحانه وتعالى على الأنبياء والرسل والأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين، أو كان تفضّله سبحانه وتعالى دخيلًا في حصولها لهم، لما كان إعطاؤها لهم موجباً لعلوّ مرتبتهم وامتيازهم عن سائر البشر، إذ لو أُعطيت لغيرهم لكانوا مثلهم أيضاً في هذه المزية. ولو لم تكن تفضلًا من اللّه سبحانه، فلماذا اختصّت بالأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام)؟
الجواب: أن المرتبة العالية من الروح الإنسانية- وإن كانت هذه المرتبة أمراً من الأُمور التشكيكية[١] أيضاً- قد أُعطيت لهم من قبل اللّه سبحانه، بحيث يمتاز خلقهم وأصل نشأتهم عن خلق سائر الناس، و ذلك بعد علم اللّه السابق على خلقهم بأنّهم أهل لهذه المرتبة العليا، حيث كان اصطفاؤه لهم لعلمه سابقاً بأنّه لو لم يعطهم ذلك لكانوا ممتازين أيضاً عن سائر الناس- مطلقاً، أو بالإضافة إلى أهل زمانهم- في الانقياد والطاعة والبعد عن المعصية، على اختلاف درجاتهم، لهذا خصهم بهذا التفضل- كما هو مقتضى الحكمة الإلهية- كرامةً ولطفاً لعباده المصطفين الأخيار، ويفصح عن ذلك الاصطفاء جملة من الآيات والروايات، كقوله سبحانه وتعالى:
١- (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ)[٢].
[١] المراد من الأمر التشكيكي أو الأمر المشكّك هو الكلي المتفاوتة أفراده في صدق مفهومه عليها، كالبياض مثلًا، فإنّه مفهوم كلي ينطبق على بياض الثلج وبياض القرطاس ولكن بياض الثلج أشدّ من بياض القرطاس مع أنّ كليهما بياض، ويقابله الكلي المتواطئ فإنّه المتوافقة أفراده فيه كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فإنّهم متساوون في الإنسانية وليس هناك فرد أقوى أو أشدّ في الإنسانية من غيره، نعم ربّما يختلفون في صفات أُخرى كالطول واللون والقوة ... وغير ذلك.
فالمرتبة العالية من الإنسانية ذات مراتب ودرجات متفاوتة، فلهذا كانت أمراً مشكّكاً، فربّما ينال بعضهم الدرجة العليا منها و آخر ينال الوسطى وهكذا ...
[٢] سورة آل عمران: الآية ٣٣.