تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥١٢
ثم وصف المؤمنين بأنهم يدعون «يَقُولُونَ رَبَّنا هَب لَنا مِن أَزواجِنا وَ ذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعيُنٍ» و معناه بأن نراهم مطبعين للّه، في قول الحسن. و «قُرَّةَ أَعيُنٍ» يکون من القر، و هو بردها عند السرور، و يکون من استقرارها عنده.
و قوله «وَ اجعَلنا لِلمُتَّقِينَ إِماماً» أي يسألون اللّه تعالي أن يجعلهم ممن يقتدي بأفعالهم الطاعات.
و في قراءة اهل البيت (ع) و «اجعل لنا من المتقين إماما»
و إنما وحد (إماماً) لأنه مصدر، من قولهم: أم فلان فلاناً إماماً، كقولهم: قام قياماً و صام صياماً. و من جمعه فقال: (أئمة) فلانه قد كثر في معني الصفة. و قيل:
إنه يجوز أن يکون علي الجواب، كقول القائل: من أميركم! فيقول: هؤلاء أميرنا قال الشاعر:
يا عاذلاتي لا تردن ملامتي إن العواذل ليس لي بأمير[١]
ثم اخبر تعالي عمن جمع هذه الأوصاف من المؤمنين بأن قال «أُولئِكَ يُجزَونَ الغُرفَةَ بِما صَبَرُوا» علي طاعاتهم الّتي ذكرها. و (الغرفة) في الجنة المنازل العالية ثواباً علي ما صبروا في جنب اللّه، و علي مشاق الدنيا و صعوبة التكليف، و غير ذلک و انهم «يُلَقَّونَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً» من الملائكة، بشارة لهم بعظيم الثواب.
و قوله «خالِدِينَ فِيها» نصب علي الحال أي هم في الجنة مؤبدين، لا يخرجون منها و لا يفنون. و أخبر أن الجنة مستقرهم. و انها «حَسُنَت مُستَقَرًّا» من مواضع القرار، و موضع الاقامة و نصب علي التمييز.
ثم قال لنبيه (ص) «قل» يا محمّد لهؤلاء «ما يَعبَؤُا بِكُم رَبِّي» و معناه ما يصنع بكم ربي- في قول مجاهد و إبن زيد- و أصله تهيئة الشيء، و منه عبأت الطيب أعبؤه عباء، إذا هيأته، قال الشاعر:
[١] تفسير الطبري ١٩/ ٣٢ و القرطبي ١٣/ ٨٣