تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٧٣
يقول الله تعالي إنا أدخلنا هؤلاء الّذين ذكرناهم من الأنبياء «في رحمتنا» أي في نعمتنا، و معني (أَدخَلناهُم فِي رَحمَتِنا) غمرناهم بالرحمة. و لو قال رحمناهم لما أفاد الاغمار. بل أفاد انه فعل بهم الرحمة، الّتي هي النعمة.
و قوله (إِنَّهُم مِنَ الصّالِحِينَ) معناه إنما أدخلناهم في رحمتنا، لأنهم كانوا ممن صلحت أعمالهم، و فعلوا الطاعات، و تجنبوا المعاصي. و (صالح) صفة مدح في الشرع.
ثم قال لنبيه محمّد (ص) و اذكر (ذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ) و النون الحوت، و صاحبها يونس بن متي، غضب علي قومه- في قول إبن عباس و الضحاك- فذهب مغاضباً لهم، فظن ان اللّه لا يضيق عليه، لأنه کان ندبه الي الصبر عليهم و المقام فيهم من قوله «وَ مَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ»[١] أي ضيق، و قوله «اللّهُ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَ يَقدِرُ»[٢] أي يضيق، و هو قول إبن عباس و مجاهد و الضحاك، و اكثر المفسرين. و قال الزجاج و الفراء: معناه «فَظَنَّ أَن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ» ما قدرناه. و قال الجبائي: ضيق اللّه عليه الطريق حتي ألجأه الي ركوب البحر حتي قذف فيه، و ابتلعته السمكة. و من قال: ان يونس (ع) ظن أن اللّه لا يقدر عليه من القدرة، فقد كفر. و قيل إنما عوتب علي ذلک، لأنه خرج مغاضباً لهم قبل أن يؤذن له، فقال قوم: كانت خطيئة، من جهة تأويله أنه يجوز له ذلک. و قد قلنا:
انه کان مندوباً الي المقام فلم يكن ذلک محظوراً، و انما کان ترك الأولي. فأما ما روي عن الشعبي و سعيد بن جبير من انه خرج مغاضباً لربه فلا يجوز ذلک علي نبي من الأنبياء، و كذلك لا يجوز أن يغضب لم عفي اللّه عنهم إذ آمنوا، لان هذا اعتراض
[١] سورة ٦٥ الطلاق آية ٧
[٢] سورة ١٣ الرعد آية ٢٨