تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٤١
الموضع، و کان يجوز في (النار) الجر علي البدل من (ذلكم) لأنه في موضع جر ب (من) و کان يجوز النصب بمعني أعرفكم شراً من ذلک النار، و ألذي عليه القراء الرفع. ثم اخبر تعالي عن النار بأن الله وعدها الّذين كفروا و بئس المرجع.
ثم خاطب جميع المكلفين من النّاس، فقال «يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاستَمِعُوا لَهُ» يعني ضرب مثل، جعل، كقولهم ضرب علي أهل الذمة الجزية، لأنه كالتثبيت شبهه بالضرب المعروف، و كذلك الضربة. و المثل: شبه حال الثاني بالأولي في الذكر ألذي صار كالعلم. و من حكم المثل أن لا يتغير، لأنه صار كالعلم. كقولهم «أطري انك فاعلة».
ثم قال «إِنَّ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللّهِ» قرأ يعقوب بالياء علي الخبر الباقون بالتاء علي الخطاب، كقوله «يا أَيُّهَا النّاسُ». و ألذي عبدوه من دون الله الأصنام و الأوثان «لَن يَخلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجتَمَعُوا لَهُ» علي ذلک و عاون بعضهم بعضاً مع صغر الذباب، فكيف بالعظيم من الأشياء. ثم زاد في ضرب المثل، فقال «وَ إِن يَسلُبهُمُ الذُّبابُ شَيئاً ...» يعني هؤلاء الكفار، و من جري مجراهم لو سلبهم الذباب شيئاً و طار، لما قدروا علي استنقاذه منه و تخليصه من يديه. ثم اخبر تعالي بانه «ضَعُفَ الطّالِبُ» يعني من الأوثان «وَ المَطلُوبُ» من الذباب- و هو قول إبن عباس- و لم يأت بالمثل، لأن في الكلام دلالة عليه، كأنه قال يا أيها النّاس مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لأن تخلق ذباباً، فلم يقدروا عليه، و إن يسلبها الذباب شيئاً، فلم تستنقذه منه. و مثل ذلک في الحذف قول امرئ القيس:
وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك و لكن لم نجد عنك مدفعاً[١]
و تقديره لو أتانا رسول غيرك لرددناه و فعلنا به، و لكن لم نجد عنك مدفعاً،
[١] شرح ديوانه ١٣١ و قد مر في ٥/ ٥٢٩ و ٦/ ٢٥٣ مع اختلاف يسير