تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٦٠
و نسقيكم من بعض ما في بطونه.
يقول اللّه تعالي «وَ إِنَّ لَكُم» معاشر العقلاء «فِي الأَنعامِ» و هي الماشية الّتي تمشي علي نعمة في مشيها، خلاف الحافر في وطئها، و هي الإبل و البقر و الغنم (لعبرة) يعني دلالة تستدلون بها علي توحيد اللّه، و صفاته الّتي يختص بها دون سواه.
و قوله (نُسقِيكُم مِمّا فِي بُطُونِها) فالسقي إعطاء ما يصلح للشرب، فلما کان اللّه تعالي قد أعطي العباد ألبان الأنعام، باجرائه في ضروعها، و تمكينهم منها، من غير حظر لها، کان قد سقاهم إياها.
ثم قال (و لكم فيها) يعني في الانعام «مَنافِعُ كَثِيرَةٌ» و لذات عظيمة، ببيعها و التصرف فيها و أكل لحومها، و شرب ألبانها، و غير ذلک من الانتفاع باصوافها و أوبارها، و اشعارها، و غير ذلک (وَ مِنها تَأكُلُونَ) يعني اللحم، و غيره من الألبان و ما يعمل منها. ثم قال: و من منافعها انكم تحملون عليها الأثقال في اسفاركم بأن تركبوها و تحملوا عليها أثقالكم. و مثل ذلک علي الفلك، و هي السفن.
ثم اقسم تعالي انه أرسل نوحاً الي قومه، يدعوهم إلي اللّه، و يقول لهم (اعبُدُوا اللّهَ) وحده لا شريك له، فانه لا معبود لكم غيره. و يحذرهم من عقابه، و يقول (أفلا تتقون) نقمة اللّه بالاشراك معه في العبادة. ثم حكي أن الملأ و هم- جماعة اشراف قومه- الكفار، قال بعضهم لبعض: ليس نوح هذا إلا مخلوقاً مثلكم، و بشر مثلكم، و ليس بملك (يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيكُم) فيسودكم و يترأسكم و ان يکون أفضل منكم «وَ لَو شاءَ اللّهُ» ما قاله من توحيده و اختصاصه بالعبادة (لَأَنزَلَ مَلائِكَةً) عليكم يدعونكم الي ذلک. ثم قالوا «ما سَمِعنا بِهذا» يعني بما قال نوح، و بمثل دعوته. و قيل بمثله بشراً أتي برسالة من ربه في أسلافنا الماضين و ابائنا و أجدادنا الّذين تقدمونا. ثم قالوا، (إِن هُوَ إِلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) اي ليس