تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩٨
عليهم في دينهم و دنياهم. و فيه امتنان علي النبي (ص) بأنا «لَو شِئنا لَبَعَثنا فِي كُلِّ قَريَةٍ نَذِيراً» فيخف عنك كثير من عبء ما حملته، لكنا حملناك ثقل أوزار جميع القري لتستوجب بصبرك عليه إذا صبرت عظيم المنزلة و جزيل الكرامة.
و النذير هو الداعي الي ما يؤمن معه الخوف من العقاب، و الانذار الاعلام بموضع المخافة. و النذر عقد البر علي انتفاء الخوف، يقال تناذر القوم تناذراً إذا انذر بعضهم بعضاً. ثم قال لنبيه (ص) «فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ» يا محمّد بالاجابة الي ما يريدون «وَ جاهِدهُم» في اللّه «جِهاداً كَبِيراً» شديداً، و الهاء في قوله «به» عائدة الي القرآن- في قول إبن عباس و الحسن- و قال الحسن: معني «فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ» لا تطعهم فيما يصرفك عن طاعة اللّه. و قيل: فلا تطعهم بمعاونتهم فيما يريدونه مما يبعد عن دين اللّه، و جاهدهم بترك طاعتهم.
ثم عاد تعالي الي تعديد نعمه عليهم فقال (وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحرَينِ) و معناه أرسلهما في مجاريهما، کما ترسل الخيل في المرج، فهما يلتقيان، فلا يبغي الملح علي العذب و لا العذب علي الملح، بقدرة اللّه. و العذب الفرات: و هو الشديد العذوبة، و الملح الأجاج يعني المر.
ثم قال (وَ جَعَلَ بَينَهُما بَرزَخاً) أي حاجزاً يمنع کل واحد منهما من تغيير الآخر (وَ حِجراً مَحجُوراً) معناه يمنع أن يفسد أحدهما الآخر. و قال المبرد: شبه الخلط بحجر البيت الحرام. و أصل المرج الخلط و منه قوله «فِي أَمرٍ مَرِيجٍ»[١] أي مختلط.
و في الحديث: مرجت عهودهم أي اختلطت، و سمي المرج بذلك، لأنه يکون فيه اخلاط من الدواب. و مرجت دابتك إذا ذهبت بتخليتك حيث شاءت قال الراجز:
رعي بها مرج ربيع ممرجاً[٢]
[١] سورة ٥٠ ق آية ٥
[٢] اللسان (مرج)