تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٤
يقول اللّه تعالي ليس کل من في السموات و الإرض من العقلاء إلا و هو يأتي الرحمن عبداً مملوكاً لا يمكنهم جحده، و لا الامتناع منه، لأنه يملك التصرف فيهم كيف شاء. ثم قال تعالي إنه «لَقَد أَحصاهُم وَ عَدَّهُم عَدًّا» أي علم تفاصيلهم و أعدادهم فكأنه عدهم، لا يخفي عليه شيء من أحوالهم. ثم قال: و جميعهم يأتي اللّه يوم القيامة فرداً مفرداً، لا أحد معه و لا ناصر له و لا أعوان، لان کل احد مشغول بنفسه لا يهمه هم غيره. ثم قال تعالي «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ» أي آمنوا باللّه و وحدانيته و صدقوا أنبياءه، و عملوا بالطاعات سيجعل اللّه لهم ودّاً أي سيجعل بعضهم يحب بعضاً، و في ذلک أعظم السرور و أتم النعمة، لأنها كمحبة الوالد لولده البار به. و قال إبن عباس و مجاهد: «سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدًّا» في الدنيا. و قال الربيع بن أنس إذا أحب اللّه عبداً طرح محبته في قلوب أهل السماء، و في قلوب أهل الإرض. ثم قال لنبيه (ص) «فَإِنَّما يَسَّرناهُ بِلِسانِكَ» يعني القرآن «لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ» لمعاصي اللّه بالجنة «وَ تُنذِرَ بِهِ» أي تخوف به (قَوماً لُدًّا) أي قوماً ذوي جدل مخاصمين- في قول قتادة- و هو من اللدد، و هو شدة الخصومة، و منه قوله تعالي «وَ هُوَ أَلَدُّ الخِصامِ»[١] أي أشد الخصام خصومة و هو جمع ألد، ك (أصم، و صم) قال الشاعر:
إن تحت الأحجار حزماً و عزماً و خصيماً ألدّ ذا معلاق[٢]
ثم اخبر اللّه تعالي فقال «وَ كَم أَهلَكنا قَبلَهُم مِن قَرنٍ هَل تُحِسُّ مِنهُم مِن أَحَدٍ» أي هل تدرك احداً منهم «أَو تَسمَعُ لَهُم رِكزاً» قال إبن عباس و قتادة و الضحاك: الركز الصوت. و قال إبن زيد: هو الحسّ، و المراد- هاهنا- الصوت، و منه الركاز، لأنه يحسّ به حال من تقدم بالكشف عنه، قال الشاعر:
[١] سورة ٢ البقرة آية ٢٠٤
[٢] قائله المهلهل. اللسان (علق) و رايته (وجوداً) بدل (و عزماً)