تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠١
عصوا عذاب الله في الآخرة. و البشارة الاخبار بما يظهر سروره في بشرة الوجه، تقول: بشره تبشيراً و بشارة. و بشارة الأنبياء مضمنة بإخلاص العبادة لله تعالي.
و النذارة هو الاخبار بما فيه المخافة، ليحذر منه. أنذره إنذاراً و نذارة، و تناذر القوم إذا أنذر بعضهم بعضاً. ثم أمره، فقال: يا محمّد «قل» لهؤلاء الكفار: إني لست اسألكم علي ما أبشركم به و أحذركم منه «اجراً» تعطوني «إِلّا مَن شاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلي رَبِّهِ سَبِيلًا» استثناء من غير الجنس، و معناه انه جعل أجره علي دعائه اتخاذ المدعو سبيلا الي ربه و طاعته إياه كقول الشاعر.
و بلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير و إلا العيس[١]
جعلها أنيس ذلک المكان. و قيل «إِلّا مَن شاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلي رَبِّهِ سَبِيلًا» بإنفاقه ما له في طاعة الله، و ابتغاء مرضاته.
ثم أمره ان يتوكل علي ربه «الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» و المراد به جميع المكلفين لأنه يجب علي کل أحد ان يتوكل علي الله، و يسلم لأمره، و معني «وَ سَبِّح بِحَمدِهِ» أني احمده منزهاً له مما لا يجوز عليه في صفاته، بان تقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله علي نعمه و إحسانه ألذي لا يقدر عليه غيره، الحمد لله حمداً يكافئ نعمه في عظم المنزلة و علوّ المرتبة، و ما أشبه ذلک.
و قوله «وَ كَفي بِهِ» اي كفي الله «بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً» أي عالماً «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الأَرضَ وَ ما بَينَهُما» يعني بين هذين الصنفين، کما قال القطامي:
ألم يحزنك أن جبال قيس و تغلب قد تباينتا انقطاعا[٢]
و قال الآخر:
[١] قد مر في ١/ ١٥١ و ٣/ ٣٢٧ و ٥/ ٤٩٨
[٢] تفسير القرطبي ١٣/ ٦٣ و الطبري ١٩/ ١٧