تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩٦
أي جعل نومكم ممتداً طويلا تكثر به راحتكم و هدوؤكم. و قيل: انه أراد جعله قاطعاً للأعمال الّتي يتصرف فيها. و السبات قطع العمل، و منه سبت رأسه يسبته سبتاً إذا حلقه، و منه يوم السبت، و هو يوم ينقطع فيه العمل. قال المبرد: يعني سباتاً سكوتاً يقال: أسبت الرجل إذا أخذته سكتة.
و قوله «وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً» أي للانبساط و التصرف في الحوائج. و النشور الانبساط في تصرف الحي، يقال: نشر الميت إذا حيي و انشره اللّه فنشر، قال الأعشي:
حتي يقول النّاس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر[١]
ثم قال «وَ هُوَ الَّذِي أَرسَلَ الرِّياحَ بُشراً بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ» و في الرحمة تجمع الرياح، لأنه جمع الجنوب و الشمال و الصبا. و في العذاب (ريح) لأنها هي الدبور وحدها و هي عقيم، لا تلقح، فكل الرياح لواقح غيرها. و الرحمة الّتي ينزلها من السماء هي الغيث، و ذكر انه قد يرسل الرياح لينشئ السحاب. ثم ينزل «مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً» أي طاهراً مطهراً مزيلا للاحداث و النجاسات مع طهارته في نفسه.
و انما نزل هذا الماء «لِنُحيِيَ بِهِ بَلدَةً مَيتاً» قد مات بالجدب. قال ابو عبيدة: زعم بعضهم انه أراد إذا لم يكن فيها نبات، فهو بغير (هاء) و إذا كانت حية روحانية فماتت، فهي ميتة. و قال غيره: أراد بالبلدة المكان، فلذلك قال ميتاً بالتذكير، و معني نسقيه نجعله سقياً للانعام الّتي خلقها اللّه تعالي.
و قوله «وَ أَناسِيَّ كَثِيراً» جمع إنسان جعلت الياء عوضاً من النون، و قد قالوا: (أناسين) نحو بستان و بساتين. و يجوز أن يکون جمع (أنسي) نحو كرسي و كراسي. و قد قالوا: أناسية كثيرة.
[١] ديوانه (دار بيروت) ٩٣ و قد مر في ٤/ ٤٦٠