تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٨٥
هو الجدب و ضيق الرزق، و القتل بالسيف (فَمَا استَكانُوا لِرَبِّهِم) أي لم يذلوا عند هذه الشدائد، و لم يتضرعوا اليه، فيطلبوا كشف البلاء منه تعالي عنهم بالاستكانة له، و الاستكانة طلب السكون خوفاً من السطوة. يقال: استكان الرجل استكانة إذا ذل عند الشدة.
و قوله (حَتّي إِذا فَتَحنا عَلَيهِم باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُم فِيهِ مُبلِسُونَ) فالفتح فرج الباب بطريق يمكن السلوك فيه، فكأنه فتح عليهم باباً أتاهم منه العذاب.
و قيل: ان ذلک حين
دعا النبي (ص) فقال: (اللهم سنين كسني يوسف)
فجاعوا حتي أكلوا العلهز و هو الوبر بالدم في قول مجاهد.
و قال إبن عباس: هو القتل يوم بدر. و قال الجبائي فتحنا عليهم باباً من عذاب جهنم في الآخرة.
و الإبلاس الحيرة لليأس من الرحمة، يقال: أبلس فلان إبلاساً إذا بهت عند انقطاع الحجة.
و قولهاللهبه (وَ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم) أي أوجدكم، و اخترعكم من غير سبب «وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَ الأَبصارَ» أي و خلق لكم السمع تسمعون به الأصوات و الأبصار تبصرون بها المرئيات و خلق لكم (الافئدة) و هو جمع فؤاد، و هو القلب (قَلِيلًا ما تَشكُرُونَ) نصب (قليلا) علي المصدر و (ما) صلة، و تقديره تشكرون قليلا لهذه النعم الّتي أنعم بها عليكم.
ثم قال (وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُم) اي خلقكم و أوجدكم (فِي الأَرضِ وَ إِلَيهِ تُحشَرُونَ) يوم القيامة، فيجازيكم علي أعمالكم إما الثواب أو العقاب. و المراد إلي الموضع ألذي يختص تعالي بالتصرف فيه، و لا يبقي لاحد هناك ملك. و قال الفراء:
و هو ألذي خلق السماوات و الإرض أي اخترعهما، و انشأهما، و قدرهما علي ما فيهما