تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧١
لا يصدقون بوحدانيته فيقرون بالبعث و النشور و الجزاء.
ثم اخبر تعالي انه أرسل- بعد إهلاك من ذكره- «مُوسي وَ هارُونَ» نبيين «بِآياتِنا وَ سُلطانٍ مُبِينٍ» بأدلة من اللّه و حجج ظاهرة «إِلي فِرعَونَ وَ مَلَائِهِ» يعني قومه «فَاستَكبَرُوا وَ كانُوا قَوماً عالِينَ» و الملأ الجماعة الّتي تملأ الصدر هيبتهم، و هم أشراف القوم و رؤساؤهم، و خصوا بالذكر، لأن من دونهم أتباع لهم. فلما استكبروا و ردوا دعوة الحق تبعهم غيرهم ممن هو دونهم. و قوله «فَاستَكبَرُوا» اي تكبروا و تجبروا عن الاجابة لهما، و طلبوا بذلك الكبر، فكل مستكبر من العباد جاهل، لأنه يطلب أن يعظم بما فوق العبد، و هو عبد اللّه مملوك يلزمه التذلل له و الخضوع، فهي صفة ذمّ للعبد، و كذلك جبار و متجبر، و هو مدح في صفات اللّه تعالي، لان صفته تجل عن صفات المخلوقين، و تعلو فوق کل صفة.
و قوله «وَ كانُوا قَوماً عالِينَ» أي كانوا قاهرين للناس بالبغي و التطاول عليهم و لهذا كانت صفة ذم. و العالي القاهر القادر ألذي مقدوره فوق مقدور غيره لعظمه يقال: علا فلان إذا ترفع و طغا و تجاوز، و منه قوله «أَلّا تَعلُوا عَلَيَّ»[١] و قوله «إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ»[٢] و قوله «قَد أَفلَحَ اليَومَ مَنِ استَعلي»[٣] أي من علا علي صاحبه و قهره بالحجة.
قوله تعالي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٧ الي ٥٠]
فَقالُوا أَ نُؤمِنُ لِبَشَرَينِ مِثلِنا وَ قَومُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهلَكِينَ (٤٨) وَ لَقَد آتَينا مُوسَي الكِتابَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ (٤٩) وَ جَعَلنَا ابنَ مَريَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيناهُما إِلي رَبوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ (٥٠)
[١] سورة ٢٧ النمل آية ٣١
[٢] سورة ٢٨ القصص آية ٤
[٣] سورة ٢٠ طه آية ٦٤