تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٤
«خُذ مِن أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم»[١] و قال مجاهد: من جزم جاز أن يقف علي «ولياً». و من رفع لم يجز لأنه صلة، و لان المفسرين قالوا: تقديره «هب لي» ألذي «يرثني» أي وارثاً فكل ذلک يقويّ الرفع.
حكي اللّه تعالي ما نادي به زكريا و دعي ربه به، و هو أن قال «رب» أي يا رب و أصله ربي، و انما حذف الياء تخفيفاً و بقيت الكسرة تدل عليها «إِنِّي وَهَنَ العَظمُ مِنِّي» أي ضعف، و الوهن الضعف، و هو نقصان القوة، و يقال: و هن الرجل يهن وهناً إذا ضعف، و منه قوله (لا تَهِنُوا وَ لا تَحزَنُوا وَ أَنتُمُ الأَعلَونَ)[٢] و إنما أضاف الوهن الي العظم، لأن العظم مع صلابته إذا كبر ضعف، و تناقص، فكيف باللحم و العصب. و قيل شكا البطش و هو قلة العطس و هو لا يکون إلا بالعظم. و قوله (وَ اشتَعَلَ الرَّأسُ شَيباً) معناه انتشر الشيب في الرأس، کما ينتشر شعاع النار، و هو من أحسن الاستعارات. و الاشتعال انتشار شعاع النار، و الشيب مخالطة الشعر الأبيض للأسود في الرأس و غيره من البدن، و هو مثل الشائب ألذي يخالط الشيء من غيره (وَ لَم أَكُن بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) تمام حكاية ما دعا به زكريا، و انه قال لم أكن يا رب بدعائي إياك شقياً أي كنت أدعوك وحدك و اعترف بتوحيدك. و قيل معناه اني إذا دعوتك اجبتني، و الدعاء طلب الفعل من المدعو، و في مقابلته الاجابة، کما أن في مقابلة الأمر الطاعة. و يحتمل نصب «شيباً» أمرين:
أحدهما- ان يکون نصباً علي الصدر كأنه قال شاب شيباً.
و الثاني- التمييز كقولهم تصببت عرقاً و امتلأت ماء و قوله «وَ إِنِّي خِفتُ المَوالِيَ مِن وَرائِي» قال مجاهد و أبو صالح، و السدي: الموالي هاهنا العصبة. و قيل خفت الموالي بني عمي علي الدين، لأنهم كانوا شرار بني إسرائيل، و انما قيل لبني العم
[١] سورة ٩ (التوبة) آية ١٠٤
[٢] سورة ٣ (آل عمران) آية ٣٩