الرسول الاعظم صلي الله عليه و آله و سلم مع خلفائه - باقر شريف القرشي - الصفحة ١٨٠ - ١٠٣ ـ ابو ذر الغفاري
وأوعزت إلى مروان بإخراجه فوراً إلى الربذة ، وقد حرمت على المسلمين مشايعته ، وتوديعه ، فلم يشايعه إلا أهل بيتي ، وبعض المؤمنين من صحابتي ، وبادر وزيرك مروان بن الحكم إلى سبطي الأول الإمام الحسن عليه السلام فقال له :
« إيه يا حسن !! الا تعلم أن عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل فإن كنت لا تعلم ذلك فاعلم » .
وحمل عليه امير المؤمنين ، وقد نخب الحزن قلبه فصاح به :
« تنح يا مروان نحاك الله إلى النار » .
فبادر اليك مروان أن يخبرك بالأمر ، فانتفخت أوداجك ، وورم أنفك ، تحاول الانتقام من علي .
ومضى علي ، وهو مثقل الخطا حزين النفس يلقي على أبي ذر نظرات الأسى والحزن فألقى عليه كلمات كانت للغريب المعذب سلوى في تلك الأرض الجرداء قال له :
« يا أبا ذر ، إنك غضبت لله فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ، ما خافوك عليه ، واهرب بما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عما منعوك ، وستعلم من الرابح غداً والأكثر حسداً ؟ ولو أن السموات والأرض كانت على عبد رتقا ، ثم اتقى الله لجعل الله منهما مخرجاً ، لا يؤنسك إلا الحق ، ولا يوحشنك إلا الباطل ، فلو قبلت دنياهم لأحبوك ، ولو قرضت منها لآمنوك » .
يا لها من كلمات رائعة حددت موقف أبي ذر ، وموقفك يا عثمان فقد خافك أبو ذر على دينه لما رآك قد عمدت إلى أماتة الحق واقصاء سنتي ، فرأى أن السكوت على المنكر ما هو إلا اقرار له فثار عليك منكراً لسياستك ، وقد خفته على دنياك وسلطانك وملكك ، فعمدت إلى التنكيل به .
وبيّن علي في كلماته نفسية أبي ذر واتجاهه فإنّه لا يؤنسه إلا الحق ، ولا يوحشه إلا الباطل ، ولو انه انحرف عن اتجاهه فوادع القوم لأحبوه وأخلصوا له ، ولكنه أبى إلا أن يرضي ضميره ودينه ، فثار عليك وعلى أعوانك .