فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٨ - دراسات فقهية حديثية ــ المصادر الحديثية بين اليقين بالصدور والظن/١ الاُستاذ الشيخ حيدر حب الله
واعتقدوا أنّ التفسير الأرسطي لمفهوم العلم لم تعرفه ـ بوصفه تفسيراً حصريّاً ـ اللغةُ العربية ، فما نسمّيه اليوم اطمئناناً في اُصول الفقه ـ والذي قد يبلغ أحياناً التسعة والتسعين في المئة مثلاً ـ قد لا يكون شيئاً غير العلم في العرف واللغة اللذين تقوم عليهما عملية تفسير النصوص الدينية .
وبهذه الطريقة تتأسّس داخل مفهوم العلم حالة من التشكيك ( تعدّد الرتب ) ، أي أنه مفهوم مشكّك وليس متواطئاً ، كما يذهب إلى ذلك الفيض الكاشاني (٤) ، وربما على أساس ذلك اعتبر المحدّث نعمة الله الجزائري ( ١١١٢ هـ ) أنّ العلم ينقسم إلى قسمين : علم منطقي ، وعلم شرعي (٥) ، وكأنّ المفهوم الواسع للعلم ـ والذي يستوعب الظنّ القويّ جدّاً ـ هو المسمّى بالعلم الشرعي عنده .
وعلى هذا الأساس ، فلا ينبغي تصوّر أنّ مراد الإخباريين من يقينية بعض مصادر الحديث هو اليقين البرهاني الذي يختاره الفلاسفة والمناطقة والذي يعني الجزم بالشيء جزماً يستحيل معه الانفكاك ، بل اليقين بالمعنى الذي يكفي فيه أن يعطي اطمئناناً للنفس ؛ ولهذا وجدناهم كثيري اليقين ، حتى زعم الحرّ العاملي أنّ هناك أكثر من عشرة آلاف مسألة في الاُصول والفروع متواترة الأخبار فيها بشهادة العلماء (٦) .
النزعة اليقينية طالت السنّة والشيعة :
لا تقتصر نزعة اليقين على الوسط الشيعي الإمامي ، بل هي موجودة في الوسط السنّي أيضاً ، فبعض أهل السنّة يذهبون إلى ما يشبه مطابقة كلّ حرف من صحيحي مسلم والبخاري للواقع ، ويرون أنّهما أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم ؛ لهذا سنستعرض هنا المبرّرات التي انطلق منها الفريق السنّي أيضاً لتبرير موقفه هذا . بل الأمر أكثر تشدّداً في الوسط السنّي ؛ لأنّ القول بصدق صحيحي الشيخين أدّى إلى مهاجمة كلّ من يحاول المناقشة فيهما سنداً أو متناً ،
(٤) الكاشاني ، الحقّ المبين : ٨ ، ٩ .
(٥) الجزائري ، كشف الأسرار ٢ : ١٠٦ ـ ١٠٧ .
(٦) الحر العاملي ، الفوائد الطوسية : ٢٦١ .