فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٣ - النراقيان في مواجهة المدّ الاخباري الشيخ محمّد البياباني
الأصحاب قد أنكروا الاجتهاد ، وقد فصّل الفضل بن شاذان في الطعن عليه في الإيضاح . ثمّ ذكر في الجواب على ذلك أنّ الاجتهاد يأتي بمعنيين :
الأوّل : هو استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بأيّ طريق اتفق . وهذا ما عليه علماء الجمهور .
الثاني : هو استفراغ الوسع في استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة ، وهذا ما عليه الإماميّة . وما أنكره الفضل بن شاذان هو الأوّل .
ثمّ أضاف موضّحا : أنّ اللّه سبحانه أرسل إلى عباده رسولاً . . وأكمل له دينه . . ولمّا أراد اللّه عزّ شأنه أن يقبضه إليه أمره بإيداع ما لم يظهره من الأحكام إلى وصيّه ، وهكذا إلى القائم . . ولما قبض النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) صار الناس إلى فرقتين : فرقة لم يقولوا بكون الأحكام مخزونة عند الوصي ، فلذا أسّسوا بعض القواعد كالقياس للجواب على مراجعات الناس اليهم . وما ورد عن الأئمة (عليهم السلام) في ذمّ الاجتهاد ، يراد به هذا المعنى .
وفرقة لم يحتاجوا إلى شيء من ذلك ، بل كانوا يأخذون الأحكام من الأوصياء ويسمعون منهم إلى أن غاب الوصي ، وكانت الأخبار حينئذٍ متكثرة ، ووجد الكذّابة ، ووضع الحديث ، وحصلت إبهامات واشتباهات ، وكان قد ورد من أوصياء خاتم الرسل قواعد لنقد الأخبار وترجيحها . . ورأوا أنّ ذلك النقد والتمييز ليس عمل كل شخص ، ولا يحصل بسهولة ، بل يحتاج إلى تأمّل وفحص . وسمّوا هذا الفحص والتأمّل اجتهادا ، وهذا الشخص مجتهدا (٣٠).
وعلى ضوء ذلك فإنّ ما يرفضه الاخباريّون هو الاجتهاد المبتني على الظنّ غير المعتبر . وهذا ما نبّه عليه والده المولى محمّد مهدي النراقي بقوله : « ففعل المجتهد ليس إلاّ السعي في درك الأحكام من قول اللّه وقول حججه وإن كان ذلك بمعونة مقدمات يتوقّف دركه عليها » (٣١).
(٣٠)مناهج الأحكام : ٢٧١.
(٣١)أنيس المجتهدين : ٢٤٣.