فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٨ - نظرية المحقق النراقي (قدس سره) في حجّية أخبار الآحاد السيد محسن الجرجاني
فالمتحصل : أنّا نشك في انعقاد مثل هكذا سيرة ، وعلى فرض وجودها فإنّ إمضاءها غير محرز لدينا . فيكون مورد السيرة الممضاة لا محالة هو في موارد انعدام الواسطة بين « المخبِر » و « المخبَر » أو قلّتها بأن تكون بواسطة أو واسطتين مع معرفة المخبَر بحالهم واطلاعه على وثاقتهم .
الوجه الثاني ـتقرير المعصوم لنا بضميمة الحدس والوجدان :
فإنّا نعلم قطعا أنّ جميع المكلفين من الرجال والنسوان والصبيان في أوائل البلوغ ـ سيما بعد انتشار الإسلام في البلاد النائية والقرى والبوادي ، حتى بلاد العجم والترك ـ كانوا يعملون في أحكامهم ومسائل حلالهم وحرامهم بأخبار الثقات ، ورواياتهم ، وكتبهم ، ورسائلهم ، ومكاتيبهم . فالصبيان كانوا يقبلون أخبار آبائهم ، والنسوان أقوال رجالهم ، والعوام روايات علمائهم ، وإن كانوا يتفحّصون عن أحوالهم .
ونعلم قطعا أنّهم لم يكونوا مقتصرين على المعلومات ، فإنّ طرق العلم محصورة ، وأكثرها للأكثر في الأكثر قطعا منتفية ؛ فإنّ الشيء يعلم إمّا بالعقل ، أو العادة ، أو الحس ، أو الإجماع ، أو الخبر المتواتر ، أو المحفوف بالقرينة . ولا سبيل للأولين إلى الأحكام الإلهية والآداب الشرعية غالبا . والثالث غير ميسّر إلاّ للمتمكنين من التشرف بشرف السماع من الحجج المعصومين . والرابع لم يكن متحققا إلاّ في مسائل قليلة ، مع أنّ العلم به للنساء في البيوت وأهل القرى والبوادي والبلاد البعيدة متعسر بل متعذّر . وكذا الأخيران . ولم يكن في الأحكام ـ في الأغلب ـ باعث ظن في تلك الأزمنة سوى الأخبار القولية أو الكتبية ، وكانوا يعملون بها ، ويعلم أئمتهم ذلك ويقرّونهم عليه ، بل يعلم المتتبع أنّهم يرغّبونهم عليه (٢١).
والذي يظهر منه أنّه استدل من خلال هذا الوجه بسيرة المتشرعة بعد أن استدل فيما سبقه بسيرة العقلاء .
(٢١)المصدر السابق : ٤٥٧ـ ٤٥٨.