فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٧
الأربعة في القرن الثاني ، قد حمل معه معالم خاصّة تميّزت على ضوئها مدارس المسلمين الفقهية ، فكان من الطبيعي أن تستقلّ كلّ مدرسة باتّجاهها ومنحاها الخاصّ بها ، فمدرسة العراق كان العمل بالرأي والقياس هو المعْلَم البارز فيها ، فيما كان العمل بالحديث هو المعْلَم الأساس لمدرسة الحجاز .
وأمّا مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ـ والتي تمثّلت وقتئذٍ في الإمامين الباقرين (عليهما السلام) اللّذين عاصرا ظهور الفقه المذهبي ومدارسه ـ فقد كان لها شأن آخر تجاه ذلك الوضع ؛ إذ شيّدت موقفها على رفض القياس والرأي ، وسعت إلى تأصيل وتجذير هذا الموقف كركن مهمّ من أركان المدرسة في نفوس أتباعها من الفقهاء والرواة ، معتمدة في ذلك اُسلوبين أساسيّين :
الأوّل :اُسلوب الرفض العملي للقياس في مقام بيان الأحكام الشرعية وتحديد مداركها ؛ بمعنى أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لم يعوّلوا على القياس كمصدر من مصادر التشريع في مجال التطبيق .
الثـاني :رفض القياس وإقصاؤه عن دائرة الفقه والاستدلال من خلال ما ورد عنهم (عليهم السلام) من التحذير والردع عن العمل بالقياس بأشدّ أنحاء الردع ، حتى قيل : إنّ الأحاديث في ذمّه قد بلغت الخمسمئة حديث (٢٣).
وبذلك فقد كان لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) موقف معلن وصريح تجاه القياس ، تنقطع معه كلّ أسباب الشبهة والالتباس .
وتأسيساً على ذلك ، فكيف يقع لفقيه لامع كابن الجنيد أن يأخذ بالقياس ـ كما نُسب له ـ ويجعله مصدراً له من مصادر الاجتهاد والإفتاء ، سيّما بعد اتّضاح معالم التشيّع طوال الفترة ما بين عصر الباقرين (عليهما السلام) إلى زمن الغيبة الصغرى ؟ !
وقد وُجدت عدّة محاولات للإجابة على ذلك ، وقبل التعرّض لتلك المحاولات نشير إلى أهمّ وأقدم النصوص الدالّة على عمله بالقياس ، وهي كالآتي :
(٢٣)قواعد الحديث : ٢٣٤، ولاحظ الأحاديث الواردة في ذمّ القياس في وسائل الشيعة : ب٦ ، صفات القاضي ، كتاب القضاء .