فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٠
الوقت لعدم بلوغ الأمر فيه إلى حدّ الضرورة ؛ فإنّ المسائل قد تختلف وضوحاً وخفاءً باختلاف الأزمنة والأوقات ، فكم من أمر جليّ ظاهر عند القدماء قد اعتراه الخفاء في زماننا لبعد العهد وضياع الأدلّة ، وكم من شيء خفي في ذلك الزمان قد اكتسى ثوب الوضوح والجلاء باجتماع الأدلّة المنتشرة في الصدر الأوّل أو تجدّد الإجماع عليه في الزمان المتأخّر . ولعلّ أمر القياس من هذا القبيل ، فقد ذكر السيّد المرتضى في مسألة له في أخبار الآحاد (٣٠)أنّه قد كان في رواتنا ونقلة أحاديثنا مَن يقول بالقياس كالفضل بن شاذان ويونس بن عبدالرحمان وجماعة معروفين . وفي كلام الصدوق (رحمه الله) في الفقيه ما يشير إلى ذلك حيث قال في باب ميراث الأبوين مع ولد الولد : « وقال الفضل بن شاذان بخلاف قولنا في هذه المسألة . . . وهذا ممّا زلّت به قدمه عن الطريقة ، وهذا سبيل من يقيس » (٣١).
ثمّ أيدّ ما أفاد فقال : « وممّا يدلّ على ما قلناه من قيام الشبهة التي يعذر بها ابن الجنيد في هذه المقالة ـ مضافاً إلى اتّفاق الأصحاب على عدم خروجه بها من المذهب وإطباقهم على جلالته وتوثيقهم وتصريحهم بتوثيقه وعدالته ـ أنّ هذا الشيخ كان في أيام معزّ الدولة من آل بويه وزير الطائع من الخلفاء العباسيّة ، وكان المعزّ إماميّاً عالماً ، وكان أمر الشيعة في أيامه ظاهراً معلناً ، حتى أنّه كان قد ألزم أهل بغداد بالنوح والبكاء وإقامة المآتم على الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء في السكك والأسواق ، وبالتهنئة والسرور يوم الغدير . . . فكيف يتصوّر من ابن الجنيد في مثل ذلك الوقت أن ينكر ضرورياً من ضروريات المذهب ، ويصنّف في ذلك كتاباً يبطل فيه ما هو معلوم عند جميع الشيعة ، ولا يكتفي بذلك حتى يسمّي من خالفه فيه « أغماراً وجهّالاً » ، ومع ذلك فسلطانهم مع علمه وفضله يسأله ويكاتبه ويعظّمه؟! ولولا قيام الشبهة والعذر في مثله لامتنع مثله بحسب العادة . . . فظهر : أنّ خطأه في أمر القياس وغيره في ذلك الوقت كان كالخطأ في مسائل الفروع التي يُعذر فيها المخطئ ولا
(٣٠)رسائل المرتضى ٣ : ٣١١.
(٣١)من لا يحضره الفقيه ٤ : ١٩٦، ط ـ النجف .