موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٨٦ - تدمير القدس على أيدي الرومان سنة ٦٦-٧٠
و ذهب اليهم و راح يخاطبهم بلهجة تدمي الفؤاد و يذكرهم بماضيهم و تاريخهم و بآبائهم و أجدادهم، و رسالة اسرائيل، فلم يعبأوا به، ثم أخذ يحذرهم و ينبههم الى المصير المظلم الذي ينتظرهم، و الخراب الذي سيحل بالمدينة و الهيكل فذهبت توسلاته ادراج الرياح.
و لذلك بدأت الحرب ثانية من السور الثاني، و كان الهدف برج انطونيا.
و اندفعت مقدمة الجيش من خلال شوارع الضاحية الى منطقة الهيكل و الجهة العليا من المدينة. و استمرت المقاومة خلال الوقت كله. و كان الرومان اذا ما جنّ الليل يلاحظون أشباحا هزيلة تحيط بهم من كل الجهات، و كانت هذه الأشباح تتسلل من الداخل ناجية بنفسها من جحيم الحصار و جوعه في داخل المدينة. و قد رأى تايتوس ان ينتقم من هؤلاء تأديبا للذين يقاومون في الداخل، فأمر بان يصلب على الأعواد كل هارب أو ملتجىء أو طالب طعام أو علف.
و تنفيذا لذلك الأمر كان الجنود المرتزقة يصلبون خمسمائة شخص يوميا على صلبان تنصب خارج المدينة، و سرعان ما تكونت غابة كبيرة تمتد الى سفح التلول، و استمر هذا العمل حتى توقف بتعذر الحصول على الخشب المطلوب للصلبان. فقد قطعت الأشجار كلها لهذا الغرض و لأغراض الحصار الأخرى، و أصبح ما يحيط بالمدينة قاعا صفصفا، و حتى جبل الزيتون لم يعد يتكون فيه الظل المألوف. و فسد الهواء بروائح الجثث المنتنة التي كانت ترمى الى الخارج و تتكدس بقرب الأسوار بالآلاف، و هي جثث المائتين من الجوع و الساقطين صرعى في الحروب و غيرهم.
و لأجل تشديد الحصار و النكير على المدينة و من فيها أمر بأن تحاط كلها بسدود عالية من التراب، فتم ذلك و طوقت القدس من جميع الجهات بعد ان اشتغل فيها أفراد الجيش في الليل و النهار، و تم كذلك انشاء ثلاثة عشر استحكاما و عدد من النقاط الحصينة الأخرى. و بهذا انقطع حتى تهريب بعض القوت و الطعام و النجدات الى داخل المدينة. فخيّم شبح المجاعة على القدس التي كانت ملأى الى حد الطفوح بالحجاج، و أخذ الموت يحصدهم