كشف الأسرار في شرح الاستبصار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٩ - المقدمة من المفتى السيد طيب الجزائرى
لمن أراد عوج من نهج (منهاج المبتدي) [١] على الجادة الولائية.
(أما بعد) فيا أيها الاخوان، أحكي لكم نبذة من عجائب الدهر الخوان، الذي في فتكه غريب، و مكره عجيب، يصيد الأسد المحارب، بمخالب الثعالب، و يطفي ثورة النيران بفورة الفيران، يظهر الغالب في الأنظار مغلوبا، ثم يجعله لصولة اللئيم منصوبا، و لربما ينير طريق الأشرار الى الأبرار فيقتلون، و لطالما يبعد الأنوار عن الأخيار فيتيهون.
فمن حيله على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي فضله جلي، على كل ذكي و غبى، بأنه قد فاز في مضمار جميع الكمالات، و حاز ما أمكن من المحسنات لا سيما علمه الجم، المتجاوز عن الكيف و الكم، المتلاطم ذخاره، و المتراكم تياره، حتى قال: «ينحدر عني السيل، و لا يرقى إليّ الطير [٢]» و تحدى بقوله «سلونى» من دون البرية، لكى لا يقول قائل انه و غيره بالسوية.
لكن الزمان! فانظر ما فعل بهذا الانسان، أظهره في الشجاعة كقهرمان، و جعله في صف رستم و اضرابه في كل زمان، حتى اشتهر بلقب «حيدر الكرار» و قامع الأسرار، و فاتح خيبر، و قاتل مرحب و عنتر، و غير ذلك من الألقاب من هذا الباب.
(و لعمري) ان فتح مغالق العلوم لأكبر من فتح النجوم و احداث الكلوم، و إنشاء نهج البلاغة على المنابر، لأعظم من اعلاء علم الشجاعة في المعارك و المعابر لو كانوا يعلمون. هذا و ان كان حقا لكنه تنزيل لشأنه، و تخفيف لمكانه (ألا ترى) اذا قلنا في مجتهد أنه يعلم النحو، و ان كان صدقا بهذا النحو، لكن اين النحو من الاجتهاد، و أين الرماد من الزناد، مشى الزمان بعده في ابنه (السيد الجزائري (رحمه اللّه) أيضا هذه المشية، فانه و ان ألف كثيرا من الكتب القيّمة عند المشية، و صنف في الأدب
[١] «منهاج المبتدى» كتاب له في النحو.
[٢] نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية.