كشف الأسرار في شرح الاستبصار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٦ - خلاصة المصائب التى تراكمت عليه
عن مراتبهم، و هذا من باب اظهار فضل اللّه تعالى و كرمه، و الّا فالعبد المذنب الجاني ليس له مرتبة و لا درجة.
(الخامس) معاشرة النّاس و السلوك معهم، و ذلك أنّ الطبائع مختلفة، و الآراء متفرّقة، و كلّ واحد يريد من الانسان الّذي يكون على طريقتنا، موافقته في الطبيعة، و هذا في غاية الصعوبة، مع أنّه يؤدّي الى المداهنة و التقرير على المنكر، و هما محرّمان اجماعا.
و مثل هذا ما تيسّر لأحد، كما روي أنّ موسى (عليه السلام) طلب من اللّه سبحانه أن يرضى عنه عامّة بني اسرائيل حتّى لا ينالوا من عرضه، و لا يتكلّموا في غيبته، فقال سبحانه: يا موسى! هذه خصلة لم توجد لي، فكيف توجد لك؟
و هذا ظاهر، فانّ من تأمّل و راجع النظر و تصفح أحوال الناس يرى شكايتهم من اللّه تعالى أكثر من شكوا هم من السلطان الجائر، سفاك الدماء، و لا ترى أحدا الّا و هو يتّهم اللّه تعالى في قضائه و قدره، و هذا يكون كثيرا في أحوال الفقر و المرض و زوال النعم و انتقالات الأحوال.
(السادس) و هو الداء العضال الّذي نغّص علينا العيش و كدّر الصافي منه مع أنّه لا يوجد، و هو أنّه ابتلينا بالتوطّن في بلاد ليس فيها مجتهد و لا مفت، حتّى نحيل الناس عليه، و اذا سألوا منّا ما يحتاجون اليه في أمور عباداتهم و معاملاتهم، فربّما أشكل الحال و احتاج المقام الى معاونة الآراء.
و ان قلت انّ هذه المسألة لا تخلو من اشكال، لا يقبل منّي، يقولون:
«كيف يشكل عليك شيء و أنت فلان الذي عندك من الكتب كذا و كذا، و قرأت عند فلان و فلان» و هو [١] المطّلع على الأسرار و الضمائر أنّي أنزوي عن الناس في أكثر الأوقات و أغلق الباب بيني و بينهم، لهذا و أمثاله و الهم الّذي ينالنا من هذا أصعب مما تقدم، و نرجو من اللّه سبحانه العصمة من الخلل و الخطاء في القول و العمل.
[١] يعنى اللّه تعالى.