كشف الأسرار في شرح الاستبصار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٦٦ - نخب من لطائف أمير المؤمنين علي
فأجاب علي (عليه السلام) بداهة: «لو لا أنا بينكما لكنتما لا» [١] هذه أخبار مطائبات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه، و علي (عليه السلام) مع أحبابه، يحصل منها للمؤمن جلاء في البصر، و ذكرى لمن ادّكر.
و ينقدح من هذا كله أنّ عادة المداعبة و المزاح، في حالة البؤس و الارتياح خير عادة بل من العبادة، لأنها من محاسن الأخلاق، لا يوفق بها الا من كان قوي الأعراق، صحيح المذاق، و لمّا كانت هذه العادة منجلية في ذات الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) بدرجة أتمّ، يجب أن تكون في خليفته أيضا بدون نقص في الكيف و الكم.
لا أن يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعيدا عن الفظاظة و موانع الجذب، و خليفته يكون فظا غليظ القلب، قسيّ الأعراق، خشن الأخلاق، حتى تجهض من خوفه كل ذات حمل حملها، و تمسك كل ضعيفة القلب قلبها.
و لا ريب في أنّ أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) لم يكن كذلك، بل انه كان كما أسلفناه، حلو الأخلاق، كريم الأعراق، يداعب أصحابه و يؤانسهم، يعجب منهم اللطائف و يمازحهم، و كان بذلك مشابها للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عادة و مزاجا، كما يشابه السراج سراجا.
و من العجب العجاب، و غريب ما حدث في هذا الباب، أنّ هذه الصفة الحسنة و الخصلة المزيّنة، التي هي خير للرجل شبيبة و شيبا، قد صيّروها له عيبا، حيث نقل عن عمر، أنه بعد وفاة سيد البشر (صلّى اللّه عليه و آله) منع عليا عن الخلافة من أجل أنه مداعب، أ ليس هذا من العجائب! قال العالم المعتزلي ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، بعد ما ذكر قصة الشورى، و خطاب عمر الى كل واحد من أركانه، و بيان عيوبهم المانعة عن الخلافة في عيانه:
[١] نفس المصدر