غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٤١ - و من شروط المتعاقدين اذن السيّد لو كان العاقد عبدا
باطنا و أوقع الأخر عن كره كان لكلّ منهما حكمه فيصحّ في الأول ما اكره عليه بحق دون ما اكره عليه (صح) بغير حق و في الثاني ما أوقعه عن رضا دون ما أوقعه عن كره
[و من شروط المتعاقدين اذن السيّد لو كان العاقد عبدا]
قوله و من شروط المتعاقدين اذن السيّد لو كان العاقد عبدا فلا يجوز للمملوك ان يوقع عقدا إلا بإذن سيّده
لا يخفى ما في عبارة (المصنف) (رحمه الله) من شوب الإجمال لأن ظاهر قوله لا يجوز انما هو نفى الجواز الذي هو من الأحكام التكليفية لأن معناه المتعارف في السّنة المتأخرين و ظاهر ما استدل به من قول أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد اللّه (عليه السلام) المملوك لا يجوز نكاحه و لا طلاقه إلا بإذن سيّده و انما هو نفى الحكم الوضعي لأن الجواز معناه في عرفه عامة العرب انما هو المضي و عليه جرى كلامه فيذيل الخبر حيث قال فهو شرعا بمنزلة العدم لا يترتب عليه الأثر المقصود منه و قد وقع من غيره (أيضا) ما ظاهر لفظه هو بيان الحكم التكليفي قال في القواعد و ليس للمملوك ان يبيع أو يشترى إلا بإذن مولاه و عن شرحها انه فسر العبارة بأنه ليس يباح للملوك ان يبيع أو يشترى إلا بإذن مولاه و الذي يظهر لي ان (المصنف) (رحمه الله) عبّر في صدر العبارة بقوله لا يجوز روما للتعبير عن المدلول عليه بما يفيده لفظ الدليل بل الظاهر ان نفى الجواز في عبارة (المصنف) (رحمه الله) و في عبارة الحديث بمعناه اللغوي الذي هو نفى المضي يشمل الحكم التكليفي و الحكم الوضعي فيصدق على المحرم انه غير ماض شرعا كما انه يصدق على ما لا يترتب عليه الأثر انه غير ماض و كيف كان فينبغي تحرير الكلام تارة في الحكم التكليفي و اخرى في الحكم الوضعي فلا بد من رسم مقامين الأول في التكليفي و تفصيل القول فيه انه لا ريب و لا إشكال في حرمة مباشرة العبد للأمور العظيمة كالتجارة و السفر الى البلاد و أقسام الاكتساب المعتبر فيها عمل أو زمان معتد به و نحو ذلك بدون اذن المولى حتى فيما لو لم يصدر منه النهى عن ذلك فيكفي في الحرمة مجرد الشك في الاذن كما انه لا ريب و لا اشكال من جهة الحكم الوضعي في ان عبارة العبد ليست مسلوبة الأثر كعبارة الصّبي بحيث لا تكون قابلة لان يفيدها اذن المولى سابقا أو لا حقا ترتب الآثار عليها فهي قابلة للتأثير بانضمام الإذن إليها فذلك مما لا كلام فيه و انّما الكلام في إباحة الأفعال الجزئية الزائدة على قدر الضرورة كالتكلم بما زاد عن قدر الحاجة و إيقاع لفظ الصّيغة وكالة عن غيره و المشي زيادة على القدر اللازم المحتاج اليه و نحو ذلك فالّذي أفاده (المصنف) (رحمه الله) فيما يأتي في طي كلامه هو منع حرمة تلفظه بألفاظ العقد و نحوه من التصرفات الجزئية استنادا إلى السيرة على مكالمة العبيد و نحو ذلك من المشاغل الجزئية و في الجواهر نفى البعد عن حرمة التصرفات المذكورة في باب دين المملوك قال عند قول المحقق (رحمه الله) لا يجوز للمملوك ان يتصرف في نفسه بإجازة و لا استدانة و لا غير ذلك من العقود و لا بما في يده ببيع و لا هبة إلا بإذن سيّده و لو حكمنا بملكه لما عرفته سابقا من كونه محجورا عليه و انه لا يقدر على شيء بل لا يبعد عدم جواز التصرف له في نفسه لنفسه بما يزيد على ضروريات تعيشه و ما علم من السّيرة و غيرها من عدم تسلط المولى على منعه منها من بعض حركات بدنه و نحوها كالعلم بعدم توقف الرخصة في بعض الأحوال له على اذن السّيد بل الظاهر انها رخصة شرعية حتى ينهاه السيّد هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و عن أنوار الفقاهة الحكم بالحرمة حتى في الأفعال القلبية الا انه نفى البعد عن استثناء الأفعال القلبية الّتي هي من قبيل الخيرات كالتفكر في نظم الأمور الّتي هي من الخيرات أو في المسائل العلميّة و نحو ذلك و حجته على ذلك ان لسان العبد و قلبه و سائر جوارحه مملوكه للمولى و التصرف في مال الغير بدون اذنه حرام و المسئلة غير محررة في كلمات أعيان الفقهاء (رضي الله عنه) صريحا و الذي يمكن ان يكون مستندا للقول بالحرمة انما هو كونه تصرفا في ملك الغير بغير إذنه ضرورة أن لسانه و غيره من جوارحه ملك لمولاه فلا يجوز له التصرف فيها إلا باذنه و ما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه الله) من قوله (تعالى) عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ بتقريب ان نفى القدرة على شيء بعد صرفه عن معناه الأصلي يعطي عدم كونه مأذونا فيه و عدم كونه مما يترتب عليه الأثر فيفيد الحكم التكليفي الذي هو هنا الحرمة و الحكم الوضعي الذي هو الفساد و العمومات الناطقة بحرمة التصرف في مال الغير و رواية زرارة عنهما (عليه السلام) المذكورة في كلام (المصنف) (رحمه الله) بناء على
صحة كونها دليلا برأسها في أرض الآية كما يكشف عنه ما فعله (المصنف) (رحمه الله) و بعض من تبعه و قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية أخرى لزرارة انه لم يعص اللّه و انما عصى سيده بتقريب انه عبر عن فعله بغير اذن سيده بالعصيان و معلوم ان عصيان العبد لسيّده حرام و اما نفى عصيانه للّه فإنما هو باعتبار انه ليس عصيانا للّه ابتداء و ليس من الأمور التي نهى اللّه (تعالى) عنها بخصوصياتها و عناوينها فلا ينافي عروض التحريم و كونه معصية للّه باعتبار كونه عصيانا للسيّد و قد يناقش في الأول بأن حرمة التصرف في مال الغير عقلي و العقل لا يحكم بالحرمة إلا في الأشياء الخطيرة التي يوجب التصرف فيها الضرر على المالك دون الأمور اليسيرة كالاستناد إلى حائط الغير و الاستظلال بظله مع عدم نهى المالك و اما مع نهيه فالمشبه به (أيضا) محرم و على هذا فيرجع في الأمور اليسيرة الى الأصل الإباحة فليس حال العبد الا مثل حال الحر الذي هو مملوك للّه (تعالى) و الأشياء الغير الضرورية للعيش التي ليس فيها أمارة المضرة و المفسدة مباحة في حقه من جهة حكم العقل بالإباحة و في الثاني بأن الخطابات الدالة على حرمة التصرف في مال الغير انما هي من قبيل المطلقات و هي لا تنصرف إلى أمثال التصرفات المذكورة كما لا يخفى على المتأمل المنصف الا ترى ان من سمع الخطابات المذكورة لا ينتقل ذهنه منها إلى حرمة تكلم العبد مع غيره بدون اذن سيّده أو الأذكار المندوبة أو مجرد إيقاع الصّيغة وكالة عن غيره أو تناول يد من عثر فأشرف على الوقوع في ماء أو نحوه و أمثال ذلك و على هذا فلا بدّ فيما خرج عن تحت الإطلاقات المذكورة من الرجوع الى أصالة الإباحة و في الثالث بان المنساق منه انّما هو الحكم الوضعي دون الحكم التكليفي و قد وقع دعواه في كلام بعض المعاصرين و في الرابع بان مجرد التعبير بلفظه عصى لا يفيد كونه محرما إذ ليس متعلق العصيان هو اللّه (تعالى) حتى يكون حراما و انما متعلقة السّيد و المفروض في الحديث انه لم يصدر من السيّد نهى عن نكاحه و انما فعل فعلا بغير اذنه و العصيان بهذا المعنى ليس مما يسلم حرمته فينتجه المنع على كلية الكبرى و هي ان عصيان السيّد بالمعنى المذكور عصيان للّه (تعالى) فيقال ان حرمة اقدام العبد على الفعل بدون اذن من السيّد (مطلقا) بحيث تشمل الأفعال اليسير الجزئية أوّل الكلام فمعنى الحديث انه انما فعل فعلا غير مأذون فيه فإذا حصل منه الاذن بعد ذلك جاز لعدم الفرق بين الاذن السابق و الاذن اللاحق هيهنا و من المعلوم ان مجرد التعبير بلفظ العصيان لا يوجب كونه جراما شرعا كما في قوله (تعالى) وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ فهنا أولى لأن مفعول عصى في الآية هو الرب و مفعوله في الحديث هو السيّد و إذا لم يكن التعبير بلفظ معصية الرب مستلزما للحرمة فالتعبير بلفظ معصية السيّد اولى و قد صرّح الفاضل القمّي (رحمه الله) بكون المراد بمعصية السيّد في الحديث