غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٣٣ - و من شرائط المتعاقدين الاختيار
فأبوا الى الا تطليقها ثلاثا و لا و اللّه جعلت فداك ما أردت اللّه و لا أردت الا ان أداريهم عن نفسي و قد امتلاء قلبي من ذلك فمكث طويلا مطرقا ثم رفع رأسه و هو متبسم فقال اما بينك و بين اللّه فليس بشيء و لكن ان قدموك الى السّلطان ابانها منك وجه الدّلالة انه لو لم يقصد مفهوم اللفظ لم يكن وجه لاضطرابه و سؤاله خصوصا مع دلالة قوله ما أردت اللّه و لا أردت الا ان ادارهم على ان الغرض من إيقاع الطلاق كان ذلك فهو قد أوقع الطلاق قاصدا الى مفهومه لكن لغاية مداراتهم لا لغاية تحصيل ما جعله اللّه تعالى طلاقا
قوله و يكفي في ذلك ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من ان المكره و الفضولي قاصدان الى اللفظ دون مدلوله
غرضه (رحمه الله) انه يكفى في كون مرادهم بالقصد الذي نفوه عن المكره هو القصد الى وقوع اثر لعقد و مضمونه ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من وصف الفضولي بأنه قاصد الى اللفظ دون المعنى ضرورة ان من البين ان الفضولي لا يذكر اللفظ خاليا عن المعنى و مجرّدا عنه فتشبيه الفضولي ببيع المكره في كلامه (رحمه الله) فيما ذكر يقتضي ان المكره (أيضا) قاصد الى مفهوم اللفظ قال (رحمه الله) في مقام بيان وجه الفرق بين المكره و غيره من جهة صحة عقد الأول بالإجازة اللاحقة دون الثاني ما لفظه الفرق بينهم و بين المكره واضح إذ لا قصد لهم الى العقد و لا أهلية لهم لفقد شرطه و هو العقل بخلاف المكره فإنه عاقل بالغ و ليس ثم مانع الا عدم القصد الى العقد حين إيقاعه و هو مجبور بلحوق الإجازة فيكون كعقد الفضولي حيث انتفى القصد اليه من مالكه الذي يعتبر قصده حين العقد فلما لحقه القصد بالإجازة صح و (حينئذ) فلا مانع من الصحّة إلا تخيل اشتراط مقارنة القصد للعقد و لا دليل عليه و ينبه على عدم اعتباره عقد الفضولي و عموم الأمر بالوفاء بالعقد يشمله فلا يقدح فيه اختصاص عقد الفضولي بنص و بهذا يظهر ضعف ما قيل هنا من انتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرّضا و ان الظاهر من كون العقود بالقصد المقارن لها دون المتأخر و يمكن ان يقال ان القصد من المكره حاصل دون من سبق لان غير العاقل لا يقصد الى اللفظ و لا الى مدلوله بخلاف المكره فإنه باعتبار كونه عاقلا قاصد الى ما يتلفظ به و يفعله لتعوده لكنه بالإكراه غير قاصد الى مدلوله و ذلك كاف في صلاحيته و قبوله للصحّة إذا لحقه القصد الى مدلوله بإجازته و مثله القول في عقد الفضولي فإنه قاصد الى اللفظ الصادر منه لان المفروض أهليّته و جمعه للشرائط المعتبرة في صحة العقد لا الملك و لا يتحقق منه لو قصد مدلوله اعنى نقل الملك و التسليط على التصرّف و غيرهما من أحكام العقد لان ذلك من وظائف المالك فإذا اجازه المالك و قصد الى ذلك يصحّ هذا كلامه (رحمه الله) و لا يخفى على من تأمل في أطرافه على انّ حمله على ما استشهد به (المصنف) (رحمه الله) في غاية البعد كما لا يخفى على من له حظّ من الوصول إلى حقائق الأمور ان الرّضا بمضمون العقد غير القصد اليه و ان ما لا يلزم اقترانه بالعقد انما هو الرضا و امّا القصد الى مضمون مدلول اللفظ و مفهومه فلا بد من اقترانه الاقتران به و الا لم يتحقق مصداق العقد و ان الرّضا انما يؤثر صحة العقد مع وقوع القصد الى مفهوم العقد من العاقد في حال وقوعه و بعبارة اخرى ان الرّضا اللاحق انما يصحّح العقد و مع عدم قصد المفهوم من اللفظ لا يتحقق عقد حتى يصححه الرضا اللاحق و من المعلوم ان القصد الى مفهوم اللفظ قد صدر من العاقد الفضولي و بقي الرضا من المالك الذي هو عبارة عن طيب نفسه بوقوع مضمون العقد و ترتب الأثر عليه و حيث لم يكن وقوعه من العاقد المذكور غير مستلزم لرضا المالك بقي العقد موقوفا عليه فلما لحقه ثمّ و ترتب عليه الأثر
قوله نعم ذكر في التحرير و (المسالك) في فروع المسئلة ما يوهم ذلك
التعرض للفروع التي أشار إليها قد وقع في الكتابين في باب طلاق المكره كما هو طريقة الفقهاء (رضي الله عنه) من التعرض لتفصيل مسئلة الإكراه هناك و عبارة (المسالك) موافقة لعبارة التحرير مع زيادة يسيرة كما يأتي ذكره في كلام (المصنف) (رحمه الله)
قوله ثم ان حقيقة الإكراه لغة و عرفا حمل الغير على ما يكره
(انتهى) اعتبر المحقق (رحمه الله) في كتاب الطلاق في تحقق حقيقته أمورا ثلاثة أحدها كون المكره قادرا على فعل ما توعد به بولاية أو تغلب أو نحوهما و زاد جماعة التقييد بكون ذلك مع عجز المأمور عن دفعه بنحو فرارا و مفارقة أو استعانة و ثانيها غلبة الظن بأنه يفعل ذلك مع امتناع المأمور و ثالثها ان يكون ما توعد به مضرا بالمأمور في نفسه خاصة أو من يجرى مجرى نفسه كالأب و الولد و عن أنوار الفقاهة انّه لو توعد بقتل أحد الشيعة تحقق له الإكراه بل لو توعد بقتل مسلم (مطلقا) من أي فرقة كان ممن لا يحكم بكفره و أنت خبير بما فيه لان ذلك مما لا يساعد عليه معنى الإكراه و لا دليل أخر لأن الإكراه (صح) يتحقق بالحمل على مكروه للفاعل بتهديده بما يصعب عليه وقوعه حتى انه لأجل التفصي عنه يلتجئ الى ما اراده المكره حمله عليه و اين هذا من التهديد بقتل أحد الشيعة أو أحد المسلمين و الى ما ذكرنا أشاروا بالتقييد بالإضرار في نفسه أو من يجرى مجرى نفسه نعم لو فرض المكره مثل سلمان و ابى ذر ممن يعز عليه هلاك المسلم بل يرى ان نفس كل مسلم أعز من نفسه احتمل بعيدا تحقق الإكراه بالنسبة إليه بالتوعد بقتل مسلم كما لو قيل له اما ان يبتغى ثوبك و امّا ان اقتل مسلما و مما ذكرنا يظهر سقوط ما حكى عنها (أيضا) من احتمال تحقق الإكراه بالتوعد بإتلاف مال مسلم و قد أجاد الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) حيث قال فاما ان كان الوعيد بنزول الضرر بالغير مثل ان يخوف بأخذ المال الغير و بضرب الغير فلا يكون إكراها إلا إذا كان ذلك الغير يجرى مجراه مثل ولده أو والده انتهى ثم لا فرق في الضّرر المتوعد به بين القتل و الجرح و الشتم و الضّرب و لكن الإكراه بالأخيرين يختلف باختلاف منازل المكرهين في احتمال الإهانة و عدمه فرب وجيه تنقصه الشتمة الواحدة فضلا عن الضربة بخلاف المبتذل و ليس (كذلك) المخرج و القتل الذي يستوي فيهما جميع الناس من جهة إلا لم و الذي بنى عليه صاحب الجواهر (رحمه الله) هو ان الوظيفة في أمثال المقام انما هو الرجوع الى العرف و اللغة إذ ليس له وضع شرعي قال (رحمه الله) و لا يخفى عليك ان إيكال الأمر الى ما سمعت يعنى العرف و اللغة أولى ضرورة عدم اعتبار غلبة الظن بالفعل بل يكفى تحقق الخوف كما سمعته في المرسل لو انّ رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتّى يتخوف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء منه دام ظلّه في المرسل فضلا عن العرف بل زائد لا يعتبر فيه عدم التمكن من الفرار من بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك ممّا فيه ضرر عليه و بالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذرا و متعسر فايكال عنوان الحكم في النص و الفتوى الى العرف الى بل لا يعتبر فيه عدم التمكن من الفرار من بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك مما فيه ضرر عليه و بالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذر أو متعسّر فايكال عنوان الحكم في النص و الفتوى الى العرف اولى و لا ريب في تحققه بالتخويف بأخذ المال المعتد به أو المضر بحاله على اختلاف القولين و ان تركه (المصنف) (رحمه الله) انتهى و هو جيد متين
قوله الذي يظهر من النصوص و الفتاوى عدم اعتبار العجز عن التورية لأن حمل عموم الإكراه و خصوص النصوص الواردة في طلاق المكره و عتقه