غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٩ - مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع
لا بد من الرّجوع الى ما أمضاه (الشارع) في كلّ مورد و هو الظّهور العرفي المعتد به في بيان مهمّات مقاصدهم مضافا الى انا نعلم ان (الشارع) إنّما امضى العقود المتعارفة لرفع التشاجر و النزاع و لتحقق نظام أمور الناس و هو يحصل بما هو (الظاهر) المفيد لمطلوب العاقد و اما عدم اعتبار المجازات البعيدة فللإجماع منهم على عدم اعتبارها لأنها القدر المتيقّن من حيث عدم الاعتبار على كل من الاحتمالات الثلاثة المحتملة في معنى الصّراحة كما عرفت حكاية ذلك فيما علقناه على المتن السّابق أقول بعد فتح باب الظهور العرفي بحكم عموم الآية المؤيد بحكمة إمضاء (الشارع) لا يبقى مجال لاستثناء المجازات البعيدة إذا فرض اندراجها تحت العنوان الذي هو الظهور العرفي لأنها مشاركة للمجازات القريبة في اكتسائها لباس الظهور بواسطة القرائن و لا بدّ من اقامة الدّليل على ذلك الا ان (يقال) انهم مثلوا للمجاز البعيد بمثل لفظ الخلع و الكتابة بأن يقول خلعت نفسي عن هذه العين ليصير لك بكذا مثلا و خالعتك أو كاتبتك عن هذه العين أو عليها بكذا فيدعي انه لم يعلم ترخيص الواضع في استعمال المجازات البعيدة لكن هذا لا دخل له بما ذكره من الإجماع على عدم الجواز الّذي ادعاه فان ذلك ممنوع لان من يعتبر الصّراحة بمعنى عدم احتمال الغير لا يستلزم كلامه منع المجاز البعيد المقرون بقرائن مفيدة للمطلوب بمعنى حصول الصّراحة في المجموع المركب من القرينة و ما اقترنت به كما هو الشأن في المجازات القريبة و امّا ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الجمع فإنه و ان كان تكلّفا الا ان بعض ما أورد عليه ذلك البعض غير متجه عليه فمن ذلك ما أورده على (المصنف) (رحمه الله) أولا إذ لا يخفى ركاكته لان عدم تصريحهم لا يوجب بطلان المدّعى بعد كونه من لوازم كلامهم فإنهم ذكروا انه يعتبر الحقيقة في العقود اللازمة و وجدنا تجويزهم لبعض المجازات و وجدنا عدم اعتبارهم بغير الألفاظ في إنشاء المقاصد فيستفاد من ملاحظة مجموع الأمور المذكورة لازم مقصود و هو ان تكون الدلالة مستندة الى الوضع و أشنع من ذلك الاستشهاد على (المصنف) (رحمه الله) بكلام بعض الأساطين و هو شارح بيع (القواعد) فإنه (رحمه الله) انما يتكلم في مقابل أمثاله و ليس بصدد توجيه كلام مثله حتى يحتج به عليه و من ذلك ما أورده عليه ثانيا ضرورة ان كلام من جواز البيع بلفظ السّلف قرنه ببيان الصّيغة المشتملة على القرينة اللّفظية ألا ترى ان منهم المحقق (قدس سرّه) و قد قال و هل ينعقد البيع بلفظ السّلم كان يقول أسلمت إليك هذا الدينار في هذا الكتاب الأشبه نعم و منهم العلامة (رحمه الله) و قد قال في (القواعد) و الأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم كان يقول أسلمت إليك هذا الثوب في هذا الدينار و في (التذكرة) و كما ينعقد السّلم بلفظ البيع كذا الأقرب العكس فلو قال أسلمت إليك هذا الثوب و عينه في هذا الدينار انعقد بيعا غاية ما في الباب ان (المصنف) (رحمه الله) أشار الى ذلك على وجه الإجمال و لم يذكر تمام عباراتهم و امّا ما حكاه عن الأكثر من انهم جوزوا عقد البيع بلفظ السّلم (مطلقا) و ان كانت قرينة حالية فهو واضح السّقوط لأنه ان أراد انهم صرّحوا بالإطلاق بالنّسبة إلى القرينة الحالية و المقالية فهو قرينة لأنك لا تجد أحدا صرّح بالإطلاق و ان أراد ان قولهم الأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم (مطلقا) يشمل بإطلاقه ما لو كان هناك قرينة حالية أو مقالية ففيه ان هذا المقام ليس مما يساق فيه الكلام لبيان الإطلاق و انما يساق لبيان جنس الحكم في الجملة مع احالة كل شرط الى محله مع انك قد عرفت انهم لما أحسوا فيما ذكروه نوع خفاء قرونه ببيان كيفية الصّيغة المشتملة على الألفاظ التي هي قرائن لإفادة لفظ السّلم ذلك المعنى المقصود و من ذلك ما ذكره مؤيّدا للوجه الثالث في ذيله من انهم اتفقوا على ان لفظ البيع يجوز استعماله في عقد السّلم و ان استعماله من قبيل استعمال الكلي في الفرد و لم يعتبروا وجود القرينة اللفظية الحقيقية مع كونه مجازا فان فيه ما لا يخفى أمّا أولا فلان استعمال البيع في عقد السّلم انما هو من قبيل استعماله في الصّرف و بيع الثمار و بيع الحيوان و نحو ذلك و لا يلزم القصد الى خصوصياتها و عناوينها حتى يحتاج افهامها إلى قرينة و انما المعتبر هو قصد عنوان البيع في ضمن اى صنف كان و ثانيا انه لا بد فيه من ذكر الشرائط المعتبرة في السّلم من الزمان و المكان و غيرهما في اللفظ و من
ذلك يتشخص المقصود بلفظ دال عليه و بعد ذلك كلّه فالإنصاف ان الحق ما ذهب اليه ذلك البعض من اعتبار الظّهور العرفي المعتد به في أداء مقاصدهم سواء كان حقيقة مختصة أو مشتركة لفظا مقرونة بقرينة معينة أو معنى مع اقترانها بالقرينة المفهمة أو مجازا قريبا مقرونا بقرينة موصلة إلى المقصود لفظية كانت أو غيرها و امّا البعيد فنحن مخالفون له فيه فهنا دعويان الاولى اعتبار ما عدا الأخير و الدّليل عليه قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و كون ما ذكر مما يعتد به العقلاء في افهام مقاصدهم بعد إبطال توقف ألفاظ العقود على بيان (الشارع) تعبدا و يؤيّده ان غرض (الشارع) من عدم اختلال أمور النّاس في معاشهم و معادهم و ارتفاع النّزاع و الفساد من بين العباد يحصل بذلك من دون فرق بين كون قرينة المجاز لفظا حقيقيّا أو غيره و امّا الثانية فلأنه ان كان ممّا يستهجن استعماله و يستنكر فهو ملحق بالغلط لا يجوز استعماله في العقود و لا في غيرها و ان كان مما لا يستهجن و لا يستنكر لم يكن فيه فرق بين العقود و غيرها (صح) بعد منع التوقيف في ألفاظها و كون قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مبينا و صدق العقد عليه
قوله و هذا بخلاف اللفظ الذي يكون دلالته على الطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد فان الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين و ان كان من المجازات القريبة جدا رجوع عما بنى عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد و لذا لم يجوز و العقد بالمعاطاة و لو مع سبق مقال أو اقتران حال تدل على ارادة البيع جزما
أقول الفرق بين ما نحن فيه و بين المعاطاة واضح ضرورة ان الإنشاء هناك انما هو بالفعل و المقاولة قرينة بخلاف ما نحن فيه فإنه لو استعمل لفظ مجازي في إنشاء العقد مقرونا بقرينة غير لفظية كان وقوع الإنشاء باللّفظ و القرينة كاشفة لا انّها بها وقع الإنشاء و لهذا يعد المجازات المقرونة بالقرائن الحالية من قبيل الظواهر اللّفظية و بالجملة فالمعاطاة و نحوها مما وقع الإنشاء فيه بالفعل على العكس ممّا نحن فيه فلا تكون من نظائره حتى يشبه بها في مقام التقريب
قوله لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية
يريد بالوجه المشار الهبة (صح) ما ذكره لتطبيق كلام العلامة (قدس سرّه) على ما ذكره من اعتبار كون الدّلالة مستندة الى الحقيقة سواء كانت هي التي أنشأ بها العقد أم كانت هي قرينة اللّفظ الّذي أنشئ به و امّا وجه عدم جريان هذا الوجه في جميع ما ذكروه من أمثلة الكتابة بل في بعضها فيحتمل ان يكون هو عدم كون جميع ما ذكروه (صح) بالمثابة الّتي ذكرها من عدم الدلالة على المعنى المنشئ الّذي هو عنوان العقد فان من جملتها ما ذكروه في كتاب الطّلاق من كون أنت طلاق أو مطلقة أو من المطلقات من الكناية مع انّها تدلّ على عنوان الصّيغة و هو الطلاق على حد دلالة أنت طالقى عليه فيكون سبب عدها من الكنايات هو سرابة عدم الصّراحة إليها من طريق أخر و يحتمل ان يكون هو عدم كون جميعها بالمثابة الّتي ذكرها من كون مفاهيمها ما هو لازم أعمّ فإن من جملة ما ذكروه من الكنايات و ان لم يكن كناية عند (المصنف) (رحمه الله) أدخلته في ملكك بكذا أو ملكتك بكذا