غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣١ - في ذكر الإيجاب و القبول
بينهما لفظا و (حينئذ) فلا بد في استعماله في الإيجاب من قرينة تدل على تعيينه و الّذي يصلح لذلك أمور أحدها ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان كثرة استعماله في وقوع البيع تعينه لإيجابه و يؤيّده ما عرفته من المصباح من انه إذا أطلق البائع فالمتبادر الى الذهن باذل السّلعة و يستفاد من كلامه (رحمه الله) مسئلة أصولية و هي ان اشتهار المشترك في أحد معنييه يصير قرينة على تعيينه خلافا للفاضل القمي (رحمه الله) حيث قال في طي كلام له على معنى انصراف المطلق الى الافراد الشائعة في ذيل القانون الذي عقده للبحث من حال المفرد المحلى و اما إذا لم يثبت الحقيقة العرفية بمعنى هجر المعنى اللّغوي بل حصل حقيقة عرفية للفظ في المعاني المتعارفة مع بقاء المعنى الحقيقي أيضا فيصير اللفظ مشتركا بين الكلى و بعض الافراد و لكن يكون استعماله في أحد المعنيين اشهركما في العين بالنّسبة إلى الباصرة و السّابعة من بين سائر المعاني أو حصل هناك مجاز مشهور بسبب غلبة الاستعمال فيشكل الحمل على الافراد الشائعة فقط لعدم مدخلية مجرّد الشّهرة في أحد معاني المشترك في ترجيحه و لمعارضة الشهرة في المجاز المشهور بأصالة الحقيقة هذا كلامه (رحمه الله) ثم انّك قد عرفت الإشكال في كلام (المصنف) (رحمه الله) من جهة ان كثرة الاستعمال ليست من قبيل اللفظ الحقيقي الّذي اعتبر كون القرينة من قبيله ثانيها ان الابتداء بالمعاملة بحسب الطّبع و الغلبة يصير من الموجب فالابتداء بلفظه يصير قرينة مقاميّة على المراد به و يستفاد هذا من كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله) على احتمال و هو ان يكون المراد بالبائع في كلامه حيث جعل صدور شريت من البائع دليلا على ان المراد به الإيجاب هو من ابتدء بالمعاملة و ان جعلناه عبارة عن صاحب السّلعة كان ذلك أيضا قرينة أخرى لأن النّسبة بينهما هو العموم من وجه و (المصنف) (رحمه الله) لم يتعرض لهذا و لعله لعدم اعتباره عنده و كان وجه الفرق بينه و بين كثرة الاستعمال حيث اعتبرها قرينة و لم يعتبره هو ثبوت اعتبارها عند أهل التحاور و التعارف دونه فتأمّل ثالثها كيفية ذكر المتعلقات و ربطها فان بعت في الإيجاب يتعدى الى مفعولين فيقول بعتك الدّار و في القبول يتعدّى الى مفعول واحد هو اللّفظ الدال على المتاع المبيع و هذا ايضا يعطيه كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله)
قوله و امّا لفظ شريت فلا إشكال في وقوع البيع به (صح) لوضعه له كما يظهر من المحكي عن بعض أهل اللّغة
و في المصباح شريت الطّعام أشتريه إذا أخذته بثمن أو أعطيته بثمن فهو من الأضداد انتهى و في المجمع الشراء يمدّ و يقصر و هو الأشهر (يقال) شريت الشيء أشريه شرى و شراء إذا بعته و إذا اشتريته ايضا و هو من الأضداد انتهى
قوله بل قيل لم يستعمل في القران الكريم إلا في البيع
حكى هذا الكلام عن المصابيح و غيرها و في القران و لبئس ما شروا به أنفسهم اى باعوا به أنفسهم و مثله و شروه بثمن نجس أو باعوه و قوله (تعالى) وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ و قوله (تعالى) فَلْيُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ اى يبيعونها
قوله و ربما يستشكل فيه بقلّة استعماله عرفا في البيع و كونه محتاجا إلى القرينة المعيّنة و عدم نقل الإيجاب به في الاخبار و كلام القدماء و لا (يخلو) عن وجه
اختلف كلمتهم في جواز الإيجاب بشريت فاجازه العلامة (قدس سرّه) في كره و صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قال و يتحقق إيجابه ببعت قطعا بل و بشريت على (الشارع) شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا بل لعلها (كذلك) لاشتراك كلّ من لفظي البيع و الشراء بين المعنيين فهما من الأضداد كما عن كثير التّصريح به بل في مصابيح الطباطبائي (قدس سرّه) لا خلاف بينهم في وضعهما للمعنيين فيصح استعمال كل منها (حينئذ) في الإيجاب على الحقيقة و لا يقدح الاشتراك و الا لا متنع الإيجاب بالبيع و لا ظهورهما في أشهرهما لوضوح القرينة المعيّنة لغيره و هي وقوع البيع من المشترى و الشراء من البائع على ان استعمال الشراء في البيع كثير بل قيل انه لم يرد في الكتاب لعزيز غيره يعنى غير استعماله في البيع الى ان قال و دعوى هجر ذلك فيها في العرف المتأخر ممنوعة إذا أريد بها الهجر على وجه يكون مجازا و مسلمة و لكن يقدح إذا أريد بها غير ذلك فلا بأس باستعمال كلّ منهما (حينئذ) في الإيجاب و القبول و محصله الاستدلال بأن المقتضي موجود و هو الوضع و المانع مفقود لان ما يتصوّر كونه مانعا في المقام انما هو الاشتراك و هو غير صالح للمنع أولا و الا لمنع من استعمال البيع و مرفوع بوجود القرينة المعيّنة ثانيا ثم انّه (رحمه الله) ذكر كثرة استعماله في البيع مؤيّدا يستأنس به في الحكم (بالمطلوب) و اكدها بنقل القول بعدم استعمال الشراء في القران في غيره و أورد عليه بان دعوى كون الوضع مقتضيا بان يكون كل ما كان موضوعا لغة للنقل و لو مشتركا مهجورا عرفا ممّا قد استعمله أهلها في الإنشاء المزبور و قد أمضاه (الشارع) ممنوعة مع أنّها منقوضة بمثل نقلته إليك و أدخلته في ملكك و نحوهما و لو حاول محاول دعوى ان (الشارع) قد رخص في ذلك كان اولى بالمنع و منعه بعضهم و يتمسّك له تارة بأن إجماعهم على اعتبار الصّراحة في الإيجاب و القبول قاض بعدم صحّة الأول بشريت و ان كانت موضوعة للبيع لغة لأن المتبادر من الصّريح ما كان دالا بالوضع لاتحاد معناه وضعا أو لاشتهار أحد معاينة بحيث لا يتبادر منه غيره و لا يحتاج إلى قرينة أصلا كما في البيع فلا يكفى المشرك المحتاج إليها (مطلقا) و دعوى ان المراد به ما كان موضوعا له (مطلقا) محل منع و الى هذا أشار (المصنف) (قدس سرّه) بقوله بقلة استعماله عرفا في البيع و كونه محتاجا إلى القرينة المعينة لأنه مع انتفاءها ينتفي الصّراحة عن المشترك و اخرى بأن ألفاظ العقود توقيفية و (حينئذ) فلا بدّ من الاقتصار على المتيقن و ليس الا بعت إذ لا نصّ و لا إجماع على غيره كما عن المصابيح و مفتاح الكرامة و غيرهما و الى هذا الشار (المصنف) (رحمه الله) بقوله و عدم نقل الإيجاب به في الاخبار و كلام القدماء و (المصنف) استوجه المنع و لا ارى له وجها على مذاقه لأن القرينة المعينة للمشترك ان كانت لفظية حقيقية فلا مانع منه عنده فكيف يستوجه المنع بقول مطلق و قاعدة التّوقيفية لا يعتبرها الا بالمعنى الّذي ذكره قبيل هذا و ذلك المعنى هنا موجود لكونه موضوعا لعنوان العقد غاية ما في الباب ان استعماله فيه أقل من لفظ البيع و قد يتمسّك هنا بوجه ثالث و هو انا لو سلمنا ان لفظ الشراء قد استعمل في إنشاء إيجاب البيع في قديم الزّمان كما استعمل في الاخبار قلنا ان استعماله في إنشاء إيجاب البيع مهجور بالمرة و الا فهو ممّا لم يستعمل فيه رأسا و لا بد من كون لفظ العقد من الألفاظ المتعارف استعمالها عند أهل التعارف و هذا القدر مسلم و لو بحكم اشتراط الصّراحة في ألفاظ العقود و اختار بعض من تأخر المنع استنادا الى هذا الوجه بعد حكايته عن بعضهم و هو وجيه ثم ان بعض القائلين بالجواز كصاحب (الجواهر) (رحمه الله) قال ان شريت في الإيجاب يتعدى الى مفعولين فلو قال البائع شريتك العين تعين للإيجاب من وجهين أحدهما وقوع ذلك من البائع و الثاني التّعدية إلى مفعولين و لو قال شريتها فمن وجه واحد فرع على القول بجواز الإيجاب بكل من شريت و بعت و القبول بكلّ منهما لو و كل رجل غيره في بيع شيء موصوف بثمن معلوم و في ابتياعه بذلك الثمن المعلوم فقال و كلتك في ان تشترى لي تغارا من حنطة بعشرين دينارا و ان تبيع تغارا من حنطة بعشرين دينارا و كل رجل أخر رجلا أخر في