غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٠٢ - الأمر الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود و عدمه
حاجة الى قرينة بخلاف الأفعال و نحوها و لذا تعرضوا لها و لضبطها في العقود الجائزة كالعارية و الوديعة و نحوهما ممّا علم قيام الأفعال الدّالة عليها مقامها بل لو قيل بان جواز المعاطاة في البيع للإجماع و السّيرة لا لانحصار دليل اللزوم في آية أوفوا بل يكفى فيه استصحاب الأثر الّذي فرض حصوله منها مضافا الى خصوص ما دل عليه مثلا في الرّهن و نحوه اتجه القول بلزومها ايضا فيها كما لو وقع ذلك بالصّيغة فلا رجوع (حينئذ) في معاطاة الرّهن و الضمان و نحوهما هذا كلامه (رحمه الله) و قد أفاد هذه الجملة لتحرير المقام و الا فهو (رحمه الله) قد عقبها بقوله الا ان الجميع كما ترى و كيف كان فالّذي يمكن ان يبحث عنه في المقام أمور أحدها جريان المعاطاة في غير النكاح من العقود اللازمة و ثانيها جريانها في العقود الجائزة كالوديعة و العارية و نحوهما و ثالثها جريانها في غير الطلاق من الإيقاعات و صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قد أنكر جريانها في كل من الأمور المذكورة لكن على وجه خاص و هو كون معاطاة كل عقد يقوم مقامه و يقصد به ما يقصد به ففي معاطاة البيع يقصد البيع و يلحقه أحكامه و هكذا و لذا جعل إنكاره لما ذكر مؤيدا لكون المعاطاة التي أثبتها أكثر الأصحاب تقصد بها الإباحة و الا فهو (رحمه الله) يقول بجريانها في سائر العقود و ممّا يشهد بذلك ما ذكره (رحمه الله) في كتاب الوصيّة في شرح قول المحقق (قدس سرّه) فالإيجاب كل لفظ يدل على ذلك القصد بقوله نعم ينبغي ان يكون استعمال اللّفظ في ذلك جاريا مجرى الاستعمال المتعارف و لا يكفي إرادته ذلك من لفظ غير صالح لإرادته حقيقة و لا مجازا و (كذلك) الكلام في القبول الّذي هو أوسع من الإيجاب و لذا جاز فيه ان يكون فعلا دالا على الرضا بالإيجاب بلا خلاف أجده فيه و في سائر العقود الجائزة نعم ظاهرهم بل صريح بعضهم عدم تحقق العقد في شيء منها بالفعل في الإيجاب لكن لا يخفى عليك مشروعيته في الجميع كما لا يخفى عليك صدق أسمائها كالعارية و الوديعة و نحوهما على ذلك فلا مناص (حينئذ) عن القول بجواز ذلك فيها و لحوق أحكامها له الا انّه ليس عقدا فهو شبه المعاطاة في العقود اللازمة الّتي تندرج في الاسم و لا يجرى عليها حكم العقد و ليس عدم الثّمرة هنا بين المعاطاة و العقد بعد الاشتراك في الجواز مانعا عن ذلك كما هو واضح فينحصر العقد منا بالإيجاب لفظا و القبول (كذلك) أو فعلا و ما عداه معاطاة و هو ما كان إيجابه فعلا سواء كان قبوله (كذلك) أم لا انتهى و الحاصل انه لا ينكر كون المعاطاة المفيدة للإباحة جارية في سائر العقود و له غير ما ذكرناه من الكلمات مما يشهد بذلك في الأبواب المتفرقة لا حاجة الى تطويل المقال بذكرها و يشهد بما ذكرنا قوله في صدر العبارة الأولى إنما المهم بيان حكم المعاطاة بالصّورة الثانية في باقي العقود و ذلك لانّه قدّم للمعاطاة صور أو جعل أوليها ان يقصد بها الإباحة و ثانيتها ان يقصد بها النقل على وجه البيع و كيف كان فالحق في هذا المقام عدم جريانها في النّكاح و الطلاق و الظهار و اللعان و النذر و العهد و اليمين و التّدبير و العتق لعدم قابلية جملة منها و عدم ثبوت المعاطاة في بعضها لعدم الدّليل على وقوعها من سيرة و غيرها و امّا سائر العقود فقد يستدل لثبوتها فيها بوجوه أحدها السّيرة المستمرة على إجرائها فيها على حد إجرائها في البيع و ربما منع من التمسّك بها بعض من تأخّر نظرا إلى انها ناشئة من عدم المبالات في الدّين و استند في توضيح المنع الى قيام السّيرة على المعاطاة في الوقف و على البيع و الشّراء من الصّبي مع اشتراط ثبوت الصّيغة في الوقف إجماعا و بطلان بيع الصّبي و شرائه لكن لا يخفى عليك عدم وضوح الأمر في الوقف بحيث يعد المعاطاة فيه من قبيل ما نشا من عدم المبالات بالدين و ثانيها صدق اسم كل عنوان من عناوين العقود على المعاطاة التي تقوم مقامه كالبيع و الإجارة و نحوهما و ان لم يصدق على معاطاته اسم العقد فتشملها أدلّته بل يمكن ان (يقال) ان المعاطاة تصير لازمة فيما إذا قام مقام عقد لازم لما عرفت في البيع من ان مقتضى الأصل هو اللّزوم ما لم يقم إجماع على خلافه فعلى هذا لا إشكال في صحّة المعاطاة في مثل الرهن و الا قاله و الفسخ و الإبراء و لزومها لان الثلاثة الأخيرة لا
يمكن فيها الجواز و الأوّل أعني الرّهن و ان كان يمكن جواز الرجوع فيه الا انّه ينافي الوثوق الّذي شرع تجويز الرّهن لأجله و الحاصل انا و ان قلنا بالجواز في المعاطاة الا انه يتعين اللّزوم في الأربعة المذكورة لما عرفت ثالثها ما عن (الدروس) من الاحتجاج لاحتمال حصول الملك في معاطاة الهبة المتحققة بمجرّد الفعل بان الهدايا قد كانت تحمل اليه (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم ينقل انه كان يراعى العقد فيها و يبعد حمله على الإباحة لانه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يتصرف فيها تصرّف الملاك لكن هذا أخص من المدعى فثبوتها في الهبة لا يقتضي بثبوتها في غيرها مضافا الى انّه يمكن ان يدعى ان باب الهدية عنوان برأسه في الشرع و قد تصدّى بعض المعاصرين أيده اللّه (تعالى) لردّ الاستدلال بأنه لم يثبت ان النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) تصرف في الهدايا من أوّل الأمر تصرّف الملاك و لا (يخلو) عن وجه في مقام المخاصمة الا ان الإنصاف حصول الطّمأنينة بتصرفه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيها (كذلك) و يكشف عنه استقرار سيرة الناس في خصوص الهدايا في الأعصار و الأمصار من العلماء و الأتقياء على ذلك و وسوسة بعض المعاصرين في اعتبار هذه السّيرة كما ترى رابعها ما في كلام المحقق الثاني (قدس سرّه) من اسناد ذلك الى ظاهر الأصحاب في الإجارة و الهبة و ما في كلام الشّهيد الثاني (رحمه الله) من دعوى إطباق الأصحاب في الإجارة و ان كان ما في كلام هذين العلمين من الإسناد انّما هو من باب الحكاية عن دعوى بعض الأصحاب إسناده إليهم و قد ناقش فيه (المصنف) (قدس سرّه) بما في المتن مضافا الى كونه في كلام الشّهيد الثاني اتفاقا منقولا و في كلام المحقق الثّاني اتفاقا ظنيا منقولا فافهم خامسها عدم القول بالفصل بين البيع و غيره و يأتي فيه تتمة الكلام و العمدة هنا الوجهان الا و لان و ما عداهما ان تم كان مؤيّدا هذا و اعلم ان المحقق الثاني (قدس سرّه) يظهر منه التفصيل بين معاطاة البيع في القرض بإفادتها في الأول الملك دون الثاني فلا تفيد فيه سوى الإباحة قال (رحمه الله) في (جامع المقاصد) عند قول العلامة (قدس سرّه) في باب القرض و لا بد من إيجاب صادر عن أهله إلى قوله و قبول و هو ما يدل على الرضا قولا أو فعلا ظاهر عباراتهم انه لا بد من الإيجاب و القبول و عبارة كره أدل على ذلك و يرد عليه انه قد سبق في البيع الاكتفاء بالمعاطاة التي هي عبارة عن الأخذ و الإعطاء فإذا اكتفى في العقد اللّازم بالإيجاب و القبول الفعليّين فحقه ان يكتفى بهما هنا بطريق اولى ثم قال و ليس ببعيد ان (يقال) انتقال الملك الى المقترض بمجرّد القبض موقوف على