غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٠٣ - الأمر الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود و عدمه
هذا الإباحة التصرّف إذا دلت القرائن على ارادتها انتهى و قال في المحكي ان صيغ العقود في القرض انه لا يكفى الدفع على جهة القرض من غير لفظ في حصول الملك نعم يكون ذلك في القرض كالمعاطاة في البيع فيتم اباحة التصرّف فإذا تلف العين وجب العوض و الّذي ينساق اليه النظر ان المعاطاة في البيع تثمر ملكا متزلزلا و يستقر بذهاب احدى العينين أو بعضها و مقتضى هذا ان النماء الحاصل في البيع قبل تلف شيء من العينين يجب ان يكون للمشتري بخلاف الدّفع للقرض فإنه لا يثمر الا محض الاذن في التصرّف و إباحته فيجب ان ان يكون نماء العين للمقرض لبقائها على ملكه انتهى و لا يخفى ما فيه من الغرابة
قوله (رحمه الله) و ظاهر المحكي عن كره عدم القول بالفصل بين البيع و غيره حيث قال في باب الرّهن ان الخلاف في الاكتفاء فيه بالمعاطاة في الاستيجاب و الإيجاب عليه المذكور في باب البيع آت هنا انتهى
أقول جريان الخلاف الواقع في البيع في الرّهن و ان كان أعم من ان يكون كلّ من قال به في البيع قال به في الرّهن لان جريان الخلاف في الرّهن قد يتصوّر بان يكون القائل بالمعاطاة في البيع يقول بها في الرّهن و المانع عنها في البيع يمنع عنها و قد يتصوّر بان يقع الخلاف في جريان المعاطاة في البيع فيقول جماعة بجريانها فيه و اخرى بعدم جريانها فيه ثمّ يختلف الجماعة الأولى فتقول طائفة منهم بجريان المعاطاة في الرّهن و اخرى بعدم جريانها فيه فعلى التّصوير الأوّل و ان كان يتحقق عدم القول بالفصل الا انّه على التّصوير الثاني لا يصحّ ان (يقال) ان كلّ من قال بجريان المعاطاة في البيع قال بجريانها في الرّهن لمصير الجماعة الأخرى من القائلين بجريانها في البيع الى عدم جريانها في الرّهن فالحاصل ان كلام العلّامة (قدس سرّه) مسوق لبيان جريان الخلاف في المقامين لا لبيان ان القائل بالجريان في البيع هو القائل بجريانه في الرّهن و ان المانع منه فيه هو المانع في الرّهن و الذي يجدي في ثبوت عدم القول بالفصل انّما هو الثاني دون الأوّل هذا و أورد عليه بعض المعاصرين بالمنع من دلالة كلام العلّامة (قدس سرّه) على عدم القول بالفصل بوجه أخر و هو ان (الظاهر) ان عرض كره انما هو الإشارة إلى الخلاف في الاكتفاء بها في صحّة البيع و لزومه و عدمهما على نحو خلاف المفيد (رحمه الله) مع (المشهور) إذ لا اشارة لها في كتاب البيع الى الخلاف المعروف فيها بين المتأخرين من انها مع عدم اللزوم تفيد الإباحة أو الملك المتزلزل كما اشتهر بين الكركي (رحمه الله) و من تأخر عنه مع ان هذا الخلاف غير جار في الرّهن قطعا انتهى
قوله لكن استشكله في محكي (جامع المقاصد) بان البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع بخلاف ما هنا
قال المعاصر المذكور بعد الإيراد الذي حكيناه عنه و لا حاجة في منع دلالة كلام كره على عدم القول بالفصل من اشكاله بان البيع قد ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع بخلاف الرّهن بل و لا وقع له بعد حكاية الفاضل (قدس سرّه) جريان الخلاف فيه ايضا بل لعله اولى من البيع لمعلومية التوسعة فيه في الجملة عندهم بخلاف البيع كما هو واضح كوضوح منع صدق العرفي عليها حقيقة حتّى في البيع و ان كان قد يطلق عليها من المتسامحين بالشّرع و شيوعه فيما بينهم حتّى انه ربما تبعهم غير المتسامح فيه ايضا و لعله هو الّذي أوقع الكركي (رحمه الله) و اتباعه في الحكم بذلك كما قيل أقول لا ريب في ان الخلاف في معاطاة البيع انما هو راجع الى الكيفية بمعنى ان المعاطاة فيه هل تفيد الإباحة أو الملك اللّازم كما هو مقتضى الخلاف الجاري بين المفيد (رحمه الله) و غيره أو الملك المتزلزل كما ذهب اليه المحقّق الثاني (قدس سرّه) و امّا الخلاف في أصل جريان المعاطاة في البيع فهو أمر غير واقع بل الكل متفقون على صحتها في البيع و لم يقل بأنّها بيع فاسد سوى العلامة (قدس سرّه) في محكي (النهاية) و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها فالجميع مطبقون على جريان المعاطاة في البيع و ان اختلفوا بعد ذلك في الكيفية و قد اعترف المعاصر المذكور بان الخلاف الّذي ذكره في كره إشارة إلى الخلاف الواقع بين المفيد (قدس سرّه) و غيره و على هذا يكون ما ذكره المحقق المذكور من ان حكم المعاطاة قد ثبت في البيع بالإجماع في محله فيصير معنى قول العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) ان الخلاف الواقع في كيفية المعاطاة من حيث إفادتها للملك أو الإباحة يجري في الرّهن و لا يكون جريانه الا بان يكون مقتضاه ان المعاطاة فيه هل تفيد الإباحة أو السّلطنة الحاصلة من صيغة الرّهن بحيث لا يقدر الرّاهن على رفعها كما هو مقتضى لزومه من جهته و (حينئذ) يتجه اعتراض المحقق المذكورة على العلامة (قدس سرّه) بان جريان الخلاف في الكيفية فرع جريان المعاطاة و لما كان جريان المعاطاة في البيع مسلما وقع الخلاف في كيفيته و امّا الرهن فلم يقم إجماع على جريان المعاطاة فيه حتى يجرى الخلاف في كيفيتها من حيث إفادتها للإباحة أو غيرها و يظهر سقوط ما ذكره المعاصر المذكور من انه لا وقع لدعوى المحقق المذكور الإجماع في البيع بعد حكاية الفاضل جريان الخلاف في البيع أيضا ضرورة ان مورد الإجماع الذي ادعاه المحقق المذكور غير مورد الخلاف الذي ادعاه العلامة هذا ان كان الضّمير المجرور في قوله لا وقع له عائدا إلى الإجماع و الضّمير المجرور بفي في قوله جريان الخلاف فيه أيضا عائدا إلى البيع و لو كان الضّمير الأوّل عائدا إلى الاشكال و الضمير الثاني عائدا إلى الرّهن فيصير المعنى انه لا وقع لإشكال المحقق الثاني (رحمه الله) بعد حكاية الفاضل (قدس سرّه) جريان الخلاف في الرّهن ايضا كان لازمه تسليم دلالة كلام العلّامة (رحمه الله) بعد ما بيّناه من معنى الخلاف و الوفاق على الإجماع على أصل جريان المعاطاة في الرّهن و كون ذلك مسلما حتّى وقع الخلاف في كيفيته من الإباحة أو اللّزوم فيكون مدلول كلام العلامة (رحمه الله) ما هو أقوى ممّا استظهره (المصنف) (رحمه الله) منه من عدم القول بالفصل و بما ذكرنا ظهر ما في توجيه (المصنف) (رحمه الله) لإشكال المحقق المذكور بقوله و لعل وجه الاشكال عدم تأتّي المعاطاة بالإجماع في الرّهن على النّحو الّذي أجروها في البيع (انتهى) و ذلك لما عرفت من ظهور عبارته (قدس سرّه) فيما ذكرناه بحيث يعلم بعد الالتفات إليه بأنه لا مساس لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بها فتدبر
قوله فتأمل
لعله إشارة إلى ضعف ما ذكره من عدم معروفية الجواز في الوقف من (الشارع) من جهة انّ الجزئيات لا تؤثر من (الشارع) فيكفي في جوازه هنا ما اعترف باشتهاره بل كونه متفقا عليه بينهم من توقف لزوم العقود على اللفظ فإذا الضمّ الى ذلك ما دلّ على صحّته الوقف بغير لفظ كالسيرة مثلا حصل من انضمامهما كون الوقف بغير لفظ صحيحا غير لازم الأمر السادس